فهرس الكتاب

الصفحة 5953 من 8321

هبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن ، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين ، وقد يتحرك إلى اليسار ، وفي حركاته المختلفة قد ينشىء السحاب ، وقد لا ينشيء ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال تعالى: { والله الذي أَرْسَلَ } بلفظ الماضي وقال: { فَتُثِيرُ سحابا } بصيغة المستقبل ، وذلك لأنه لما أسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعل الله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زمانًا ولا جزأً من الزمان ، فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان وكأنه فرغ من كل شيء فهو قدر الإرسال في الأوقات المعلومة إلى المواضع المعينة والتقدير كالإرسال ، ولما أسند فعل الإثارة إلى الريح وهو يؤلف في زمان فقال: { تُثِيرُ } أي على هيئتها .

المسألة الثانية: قال: { أُرْسِلَ } إسنادًا للفعل إلى الغائب وقال: { سقناه } بإسناد الفعل إلى المتكلم وكذلك في قوله: { فَأَحْيَيْنَا } وذلك لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ، ثم لما عرف قال: أنا الذي عرفتني سقت السحاب وأحييت الأرض فنفي الأول كان تعريفًا بالفعل العجيب ، وفي الثاني كان تذكيرًا بالنعمة فإن كما ( ل ) نعمة الرياح والسحب بالسوق والإحياء وقوله: { سقناه . . . وَأَحْيَيْنَا } بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرناه من الفرق بين قوله: { أُرْسِلَ } وبين قوله: ( تُثِيرُ ) .

المسألة الثالثة: ما وجه التشبيه بقوله: { كَذَلِكَ النشور } فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت .

المسألة الرابعة: ما الحكمة في اختيار هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد ، فنقول لما ذكر الله أنه فاطر السموات والأرض ، وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله: { جَاعِلِ الملائكة رُسُلًا } [ فاطر: 1 ] ذكر من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها بقوله: { والله الذي أَرْسَلَ الرياح } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت