فهرس الكتاب

الصفحة 6138 من 8321

واعلم أن سبحانه وتعالى لما قال: { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } [ الصافات: 101 ] أتبعه بما يدل على حصول ما بشر به وبلغه ، فقال: { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعى } ومعناه فلما أدرك وبلغ الحد الذي يقدر فيه على السعي ، وقوله: { مَعَهُ } في موضع الحال والتقدير كائنًا معه ، والفائدة في اعتبار هذا المعنى أن الأب أرفق الناس بالولد ، وغيره ربما عنف به في الاستسعاء فلا يحتمله لأنه لم تستحكم قوته ، قال بعضهم: كان في ذلك الوقت ابن ثلاث عشرة سنة ، والمقصود من هذا الكلام أن الله تعالى لما وعده في الآية الأولى بكون ذلك الغلام حليمًا ، بين في هذه الآية ما يدل على كمال حلمه ، وذلك لأنه كان به من كمال الحلم وفسحة الصدر ما قواه على احتمال تلك البلية العظيمة ، والإتيان بذلك الجواب الحسن .

أما قوله: { إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في تفسير هذه اللفظة وجهان الأول: قال السدي: كان إبراهيم حين بشر بإسحق قبل أن يولد له قال: هو إذن لله ذبيح فقيل لإبراهيم قد نذرت نذرًا فف بنرك فلما أصبح { قَالَ يَا بُنَىَّ إِنّى أرى فِى المنام أَنّى أَذْبَحُكَ } .

وروي من طريق آخر أنه رأى ليلة التروية في منامه ، كأن قائلًا يقول له إن الله يأمرك بذبح ابنك هذا ، فلما أصبح تروى في ذلك من الصباح إلى الرواح ، أمن الله هذا الحلم أم من الشيطان؟ فمن ثم سمي يوم التروية ، فلما أمسى رأى مثل ذلك ، فعرف أنه من الله فسمي يوم عرفة ، ثم رأى مثله في الليلة الثالثة فهم بنحره فسمي يوم النحر وهذا هو قول أهل التفسير وهو يدل على أنه رأى في المنام ما يوجب أن يذبح ابنه في اليقظة ، وعلى هذا فتقدير اللفظ: إني أرى في المنام ما يوجب أن أذبحك والقول الثاني: أنه رأى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء عليهم السلام من باب الوحي ، وعلى هذا القول فالمرئي في المنام ليس إلا أنه يذبح ، فإن قيل إما أن يقال إنه ثبت بالدليل عند الأنبياء عليهم السلام أن كل ما رآه في المنام فهو حق حجة أو لم يثبت ذلك بالدليل عندهم ، فإن كان الأول فلم راجع الولد في هذه الواقعة ، بل كان من الواجب عليه أن يشتغل بتحصيل ذلك المأمور ، وأن لا يراجع الولد فيه ، وأن لا يقول له؛ { فانظر مَاذَا ترى } وأن لا يوقف العمل على أن يقول له الولد { افعل مَا تُؤمَرُ } ؟ ، وأيضًا فقد قلتم إنه بقي في اليوم الأول متفكرًا ، ولو ثبت عنده بالدليل أن كل ما رآه في النوم فهو حق لم يكن إلى هذا التروي والتفكر حاجة ، وإن كان الثاني ، وهو أنه لم يثبت بالدليل عندهم أن ما يرونه في المنام حق ، فكيف يجوز له أن يقدم على ذبح ذلك الطفل بمجرد رؤيا لم يدل الدليل على كونها حجة؟ والجواب: لا يبعد أن يقال إنه كان عند الرؤيا مترددًا فيه ثم تأكدت الرؤيا بالوحي الصريح ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت