فهرس الكتاب

الصفحة 6137 من 8321

المسألة الثالثة: قوله: { سَيَهْدِينِ } يدل على أن الهداية لا تحصل إلا من الله تعالى ، كما يقول أصحابنا ولا يمكن حمل هذه الهداية على وضع الأدلة وإزاحة الأعذار ، لأن كل ذلك قد حصل في الزمان الماضي ، وقوله: { سيهدين } يدل على اختصاص تلك الهداية بالمستقبل ، فوجب حمل الهداية في هذه الآية على تحصيل العلم والمعرفة في قلبه ، فإن قيل إبراهيم عليه السلام جزم في هذه الآية بأنه تعالى سيهديه ، وأن موسى عليه السلام لم يجزم به ، بل قال: { قَالَ عسى رَبّى أَن يَهْدِيَنِى سَوَاء السبيل } [ القصص: 22 ] فما الفرق؟ قلنا العبد إذا تجلى له مقامات رحمة الله فقد يجزم بحصول المقصود ، وإذا تجلى له مقامات كونه غنيًا عن العالمين ، فحينئذٍ يستحقر نفسه فلا يجزم ، بل لا يظهر إلا الرجاء والطمع .

المسألة الرابعة: قوله تعالى: { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى } يدل على فساد تمسك المشبهة بقوله تعالى: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب } [ فاطر: 10 ] لأن كلمة إلى موجودة في قوله: { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى } مع أنه لم يلزم أن يكون الإله موجودًا في ذلك المكان ، فكذلك ههنا .

واعلم أنه صلوات الله عليه لما هاجر إلى الأرض المقدسة أراد الولد فقال: { هَبْ لِى مِنَ الصالحين } أي هب لي بعض الصالحين ، يريد الولد ، لأن لفظ الهبة غلب في الولد ، وإن كان قد جاء في الأخ في قوله تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هارون نَبِيًّا } [ مريم: 53 ] وقال تعالى: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ } [ الأنبياء: 72 ] { وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى } [ الأنبياء: 90 ] وقال علي بن أبي طالب لابن عباس Bهم حين هنأه بولده: على أبي الأملاك شكرت الواهب ، وبورك لك في الموهوب ، ولذلك وقعت التسمية بهبة الله تعالى وبهبة الوهاب وبموهوب ووهب .

واعلم أن هذا الدعاء اشتمل على ثلاثة أشياء: على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ الحلم ، وأنه يكون حليمًا ، وأي حلم يكون أعظم من ولد حين عرض عليه أبوه الذبح { قَالَ سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله مّنَ الصابرين } [ الصافات: 102 ] ثم استسلم لذلك ، وأيضًا فإن إبراهيم عليه السلام كان موصوفًا بالحلم ، قال تعالى: { إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [ التوبة: 114 ] { إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ } [ هود: 75 ] فبين أن ولده موصوف بالحلم ، وأنه قائم مقامه في صفات الشرف والفضيلة ، واعلم أن الصلاح أفضل الصفات بدليل أن الخليل عليه السلام طلب الصلاح لنفسه ، فقال: { رَبّ هَبْ لِى حُكْمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ الشعراء: 83 ] وطلبه للولد فقال: { رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين } وطلبه سليمان عليه السلام بعد كمال درجته في الدين والدنيا ، فقال: { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } [ النمل: 19 ] وذلك يدل على أن الصلاح أشرف مقامات العباد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت