فهرس الكتاب

الصفحة 7321 من 8321

اعلم أن الأسوة ما يؤتسى به مثل القدوة لما يقتدى به ، يقال: هو أسوتك ، أي أنت مثله وهو مثلك ، وجمع الأسوة أسى ، فالأسوة اسم لكل ما يقتدى به ، قال المفسرون أخبر الله تعالى أن إبراهيم وأصحابه تبرءوا من قومهم وعادوهم ، وقالوا لهم: { إِنَاْ بُرآء مِنكُمْ } ، وأمر أصحاب رسول الله A أن يأنسوا بهم وبقوله ، قال الفراء: يقول أفلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم في التبرئة من أهله في قوله تعالى: { إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ } وقوله تعالى: { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وهو مشرك وقال مجاهد: نهوا أن يتأسوا باستغفار إبراهيم لأبيه فيستغفرون للمشركين ، وقال مجاهد وقتادة: ائتسوا بأمر إبراهيم كله إلا في استغفاره لأبيه ، وقيل: تبرءوا من كفار قومكم فإن لكم أسوة حسنة في إبراهيم ومن معه من المؤمنين في البراءة من قومهم ، لا في الاستغفار لأبيه ، وقال ابن قتيبة: يريد أن إبراهيم عاداهم وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقال ابن الأنباري: ليس الأمر على ما ذكره ، بل المعنى قد كانت لكم أسوة في كل شيء فعله ، إلا في قوله لأبيه: { لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقوله تعالى: { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } هذا من قول إبراهيم لأبيه يقول له: ما أغنى عنك شيئًا ، ولا أدفع عنك عذاب الله إن أشركت به ، فوعده الاستغفار رجاء الإسلام ، وقال ابن عباس: كان من دعاء إبراهيم وأصحابه: { رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا } الآية ، أي في جميع أمورنا { وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا } رجعنا بالتوبة عن المعصية إليك إذ المصير ليس إلا إلى حضرتك ، وفي الآية مباحث:

الأول: لقائل أن يقول: { حتى تُؤْمِنُواْ بالله وَحْدَهُ } ما الفائدة في قوله: { وَحْدَهُ } والإيمان به وبغيره من اللوازم ، كما قال تعالى: { كُلٌّ ءَامَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } [ البقرة: 285 ] فنقول: الإيمان بالملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر ، من لوازم الإيمان بالله وحده ، إذ المراد من قوله: { وَحْدَهُ } هو وحده في الألوهية ، ولا نشك في أن الإيمان بألوهية غيره ، لا يكون إيمانًا بالله ، إذ هو الإشراك في الحقيقة ، والمشرك لا يكون مؤمنًا .

الثاني: قوله تعالى: { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم } استثناء من أي شيء هو ، نقول: من قوله: { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } لما أنه أراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي حق عليهم أن يأتسوا به ، ويتخذوه سنة يستنون بها .

الثالث: إن كان قوله: { لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } مستثنى من القول الذي سبق وهو: { أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } فما بال قوله: { وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَىْء } وهو غير حقيق بالاستثناء ، ألا ترى إلى قوله تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت