اعلم أنه تعالى لما عظم شأن القرآن بقوله: { هذا بَصَائِرُ مِن رَّبّكُمْ } [ الأعراف: 203 ] أردفه بقوله: { وَإِذَا قُرِىء القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: الإنصات السكوت والاستماع ، يقال: نصت ، وأنصت ، وانتصت ، بمعنى واحد .
المسألة الثانية: لا شك أن قوله: { فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } أمره ، وظاهر الأمر للوجوب ، فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبًا ، وللناس فيه أقوال .
القول الأول: وهو قول الحسن وقول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها ففي أي موضع قرأ الإنسان القرآن وجب على كل أحد استماعه والسكوت ، فعلى هذا القول يجب الإنصات لعابري الطريق ، ومعلمي الصبيان .
والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة . قال أبو هريرة Bه: كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت هذه الآية ، وأمروا بالإنصات ، وقال قتادة: كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم ، كم صليتم وكم بقي؟ وكانوا يتكلمون في الصلاة بحوائجهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .
والقول الثالث: أن الآية نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام . قال ابن عباس قرأ رسول الله A في الصلاة المكتوبة وقرأ أصحابه وراءه رافعين أصواتهم ، فخلطوا عليه ، فنزلت هذه الآية وهو قول أبي حنيفة وأصحابه .
والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وهذا القول منقول عن الشافعي C ، وكثير من الناس قد استبعد هذا القول ، وقال اللفظ عام وكيف يجوز قصره على هذه الصورة الواحدة . وأقول هذا القول في غاية البعد لأن لفظة إذا تفيد الارتباط ، ولا تفيد التكرار ، والدليل عليه أن الرجل إذا قال لامرأته إذا دخلت الدار فأنت طالق ، فدخلت الدار مرة واحدة طلقت طلقة واحدة ، فإذا دخلت الدار ثانيًا لم تطلق بالاتفاق لأن كلمة { إِذَا } لا تفيد التكرار .
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: { وَإِذَا قُرِىءَ القرءان فاستمعوا لَهُ وَأَنصِتُواْ } لا يفيد إلا وجوب الإنصات مرة واحدة ، فلما أوجبنا الاستماع عند قراءة القرآن في الخطبة ، فقد وفينا بموجب اللفظ ولم يبق في اللفظ دلالة على ما وراء هذه الصورة ، سلمنا أن اللفظ يفيد العموم إلا أنا نقول بموجب الآية ، وذلك لأن عند الشافعي C: يسكت الإمام ، وحينئذ يقرأ المأموم الفاتحة في حال سكتة الإمام كما قال أبو سلمة للإمام سكتتان ، فاغتنم القراءة في أيهما شئت ، وهذا السؤال أورده الواحدي في «البسيط» .
ولقائل أن يقول: سكوت الإمام إما أن نقول: إنه من الواجبات أو ليس من الواجبات والأول باطل بالإجماع والثاني يقتضي أن يجوز له أن لا يسكت . فبتقدير: أن لا يسكت يلزم أن تحصل قراءة المأموم مع قراءة الإمام ، وذلك يفضي إلى ترك الاستماع ، وإلى ترك السكوت عند قراءة الإمام ، وذلك على خلاف النص ، وأيضًا فهذا السكوت ليس له حد محدود ومقدار مخصوص والسكتة للمأمومين مختلفة بالثقل والخفة ، فربما لا يتمكن المأموم من إتمام قراءة الفاتحة في مقدار سكوت الإمام ، وحينئذ يلزم المحذور المذكور ، وأيضًا فالإمام إنما يبقى ساكتًا ليتمكن المأموم من إتمام القراءة ، وحينئذ ينقلب الإمام مأمومًا ، والمأموم إمامًا ، لأن الإمام في هذا السكوت يصير كالتابع للمأموم ، وذلك غير جائز ، فثبت أن هذا السؤال الذي أورده الواحدي غير جائز ، وذكر الواحدي سؤالًا ثانيًا على التمسك بالآية . فقال: إن الإنصات هو ترك الجهر والعرب تسمي تارك الجهر منصتًا ، وإن كان يقرأ في نفسه إذا لم يسمع أحدًا .