فهرس الكتاب

الصفحة 5570 من 8321

اعلم أن عند موت ذلك الرجل من الوكز أصبح موسى عليه السلام من غد ذلك اليوم خائفًا من أن يظهر أنه هو القاتل فيطلب به ، وخرج على استتار { فَإِذَا الذى استنصره } وهو الإسرائيلي { بالأمس يَسْتَصْرِخُهُ } يطلب نصرته بصياح وصراخ ، { قال له موسى إِنك لَغوى مبِين } قال أهل اللغة الغوي يجوز أن يكون فعيلًا بمعنى مفعل أي إنك لمغو لقومي فإني وقعت بالأمس فيما وقعت فيه بسببك ، ويجوز أن يكون بمعنى الغاوي . واحتج به من قدح في عصمة الأنبياء عليهم السلام ، فقال كيف يجوز لموسى عليه السلام أن يقول لرجل من شيعته يستصرخه { إِنَّكَ لَغَوِىٌّ مُّبِينٌ } ؟ الجواب من وجهين: الأول: أن قوم موسى عليه السلام كانوا غلاظًا جفاة ألا ترى إلى قولهم بعد مشاهدة الآيات { اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } [ الأعراف: 138 ] فالمراد بالغوي المبين ذلك الثاني: أنه عليه السلام إنما سماه غويًا لأن من تكثر منه المخاصمة على وجه يتعذر عليه دفع خصمه عما يرومه من ضرره يكون خلاف طريقة الرشد . واختلفوا في قوله تعال: { قَالَ يَا موسى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ } أهو من كلام الإسرائيلي أو القبطي؟ فقال بعضهم لما خاطب موسى الإسرائيلي بأنه غوي ورآه على غضب ظن لما هم بالبطش أنه يريده ، فقال هذا القول ، وزعموا أنه لم يعرف قتله بالأمس للرجل إلا هو ، وصار ذلك سببًا لظهور القتل ومزيد الخوف ، وقال آخرون بل هو قول القبطي ، وقد كان عرف القصة من الإسرائيلي ، والظاهر هذا الوجه لأنه تعالى قال: { فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ يَبْطِشَ بالذى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ ياموسى } فهذا القول إذن منه لا من غيره وأيضًا فقوله: { إِن تُرِيدُ إِلاَّ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى الأرض } لا يليق إلا بأن يكون قولًا للكافر .

واعلم أن الجبار الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم لا ينظر في العواقب ولا يدفع بالتي هي أحسن وقيل المتعظم الذي لا يتواضع لأمر أحد ، ولما وقعت هذه الواقعة انتشر الحديث في المدينة وانتهى إلى فرعون وهموا بقتله .

أما قوله: { وَجَاء رَجُلٌ مّنْ أَقْصَى المدينة يسعى } قال صاحب «الكشاف» يسعى يجوز ارتفاعه وصفًا لرجل ، وانتصابه حالًا عنه ، لأنه قد تخصص بقوله: { مِنْ أَقْصَى المدينة } والائتمار التشاور يقال الرجلان ( يتآمران ) يأتمران لأن كل واحد منهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر والمعنى يتشاورون بسببك . وأكثر المفسرين على أن هذا الرجل مؤمن آل فرعون ، فعلى وجه الإشفاق أسرع إليه ليخوفه بأن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك .

أما قوله: { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ } أي خائفًا على نفسه من آل فرعون ينتظر هل يلحقه طلب فيؤخذ ، ثم التجأ إلى الله تعالى لعلمه بأنه لا ملجأ سواه فقال: { رَبّ نَجّنِى مِنَ القوم الظالمين } وهذا يدل على أن قتله لذلك القبطي لم يكن ذنبًا ، وإلا لكان هو الظالم لهم وما كانوا ظالمين له بسبب طلبهم إياه ليقتلوه قصاصًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت