فهرس الكتاب

الصفحة 3467 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين حال من لا يرقب في الله إلا ولا ذمة ، وينقض العهد وينطوي على النفاق ويتعدى ما حد له ، بين من بعد أنهم إن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة كيف حكمهم ، فجمع ذلك الشيء بقوله: { فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } وهو يفيد جملة أحكام الإيمان ، ولو شرح لطال .

فإن قيل: المعلق على الشيء بكلمة { إن } عدم عند عدم ذلك الشيء ، فهذا يقتضي أنه متى لم توجد هذه الثلاثة لا يحصل الأخوة في الدين ، وهو مشكل لأنه ربما كان فقيرًا ، أو إن كان غنيًا ، لكن قبل انقضاء الحول لا تلزمه الزكاة .

قلنا: قد بينا في تفسير قوله تعالى: { إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنهَوْنَ عَنْهُ } [ النساء: 31 ] أن المعلق على الشيء بكلمة { إن } لا يلزم من عدمه عدم ذلك الشيء ، فزال هذا السؤال ، ومن الناس من قال المعلق على الشيء بكلمة { إن } عدم عند عدم ذلك الشيء ، فههنا قال المواخاة بالإسلام بين المسلمين موقوفة على فعل الصلاة والزكاة جميعًا ، فإن الله تعالى شرطها في إثبات المواخاة ، ومن لم يكن أهلًا لوجوب الزكاة عليه ، وجب عليه أن يقر بحكمها ، فإذا أقر بهذا الحكم دخل في الشرط الذي به تجب الأخوة ، وكان ابن مسعود يقول رحم الله أبا بكر ما أفقهه في الدين ، أراد به ما ذكره أبو بكر في حق مانعي الزكاة ، وهو قوله والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما بقي في قوله: { فَإِخوَانُكُمْ فِى الدين } بحثان: الأول: قوله: { فَإِخوَانُكُمْ } قال الفراء معناه ، فهم إخوانكم بإضمار المبتدأ كقوله تعالى: { فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم } [ الأحزاب: 5 ] أي فهم إخوانكم . الثاني: قال أبو حاتم قال أهل البصرة أجمعون الأخوة في النسب والأخوان في الصداقة ، وهذا غلط يقال للأصدقاء ، وغير الأصدقاء أخوة وأخوان . قال الله تعالى: { إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ } [ الحجرات: 10 ] ولم يعن النسب . وقال تعالى: { أَوْ بُيُوتِ إخوانكم } [ النور: 61 ] وهذا في النسب . قال ابن عباس: حرمت هذه الآية دماء أهل القبلة .

ثم قال: { وَنُفَصّلُ الأيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } قال صاحب «الكشاف» : وهذا اعتراض وقع بين الكلامين ، والمقصود الحث والتحريض على تأمل ما فصل من أحكام المشركين المعاهدين ، وعلى المحافظة عليها .

ثم قال: { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } يقال نكث فلان عهده إذا نقضه بعد أحكامه كما ينكث خيط الصوف بعد إبرامه ، ومنه قوله تعالى: { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنكاثا } [ النحل: 92 ] والأيمان جمع يمين بمعنى الحلف والقسم . وقيل: للحلف يمين ، وهو اسم اليد لأنهم كانوا يبسطون أيمانهم إذا حلفوا أو تحالفوا . وقيل: سمي القسم يمينًا ليمين البر فيه . فقوله: { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم } أي نقضوا عهودهم . وفيه قولان: الأول: هو قول الأكثرين إن المراد نكثهم لعهد رسول الله A ، والثاني: أن المراد حمل العهد على الإسلام بعد الإيمان ، فيكون المراد ردتهم بعد الإيمان ، ولذلك قرأ بعضهم { وَإِن نَّكَثُواْ أيمانهم مّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ } والأول أولى للقراءة المشهورة ، ولأن الآية وردت في ناقضي العهد لأنه تعالى صنفهم صنفين ، فإذا ميز منهم من تاب لم يبق إلا من أقام على نقض العهد . وقوله: { وَطَعَنُواْ فِى دِينِكُمْ } يقال طعنه بالرمح يطعنه ، وطعن بالقول السيء يطعن . قال الليث: وبعضهم يقول: يطعن بالرمح ، ويطعن بالقول: فيفرق بينهما ، والمعنى أنهم عابوا دينكم ، وقدحوا فيه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت