أما قوله: { يُرْضُونَكُم بأفواههم وتأبى قُلُوبُهُمْ } أي يقولون بألسنتهم كلامًا حلوًا طيبًا ، والذي في قلوبهم بخلاف ذلك ، فإنهم لا يضمرون إلا الشر والإيذاء إن قدروا عليه { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } وفيه سؤالان:
السؤال الأول: الموصوفون بهذه الصفة كفار . والكفر أقبح وأخبث من الفسق ، فكيف يحسن وصفهم بالفسق في معرض المبالغة في الذم .
السؤال الثاني: أن الكفار كلهم فاسقون ، فلا يبقى لقوله: { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } فائدة .
والجواب عن الأول: أن الكافر قد يكون عدلًا في دينه ، وقد يكون فاسقًا خبيث النفس في دينه ، فالمراد ههنا أن هؤلاء الكفار الذين من عادتهم نقض العهود { أَكْثَرُهُمْ فاسقون } في دينهم وعند أقوامهم ، وذلك يوجب المبالغة في الذم .
والجواب عن الثاني: عين ما تقدم ، لأن الكافر قد يكون محترزًا عن الكذب ، ونقض العهد والمكر والخديعة ، وقد يكون موصوفًا بذلك ، ومثل هذا الشخص يكون مذمومًا عند جميع الناس وفي جميع الأديان ، فالمراد بقوله: { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } أن أكثرهم موصوفون بهذه الصفات المذمومة ، وأيضًا قال ابن عباس: لا يبعد أن يكون بعض أولئك الكفار قد أسلم وتاب ، فلهذا السبب قال: { وَأَكْثَرُهُمْ فاسقون } حتى يخرج عن هذا الحكم أولئك الذين دخلوا في الإسلام .
أما قوله: { اشتروا بئايات الله ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَن سَبِيلِهِ } ففيه قولان: الأول: المراد منه المشركون . قال مجاهد: أطعم أبو سفيان بن حرب حلفاءه ، وترك حلفاء النبي A فنقضوا العهد الذي كان بينهم بسبب تلك الأكلة . الثاني: لا يبعد أن تكون طائفة من اليهود أعانوا المشركين على نقض تلك العهود ، فكان المراد من هذه الآية ذم أولئك اليهود ، وهذا اللفظ في القرآن كالأمر المختص باليهود ويقوى هذا الوجه بما أن الله تعالى أعاد قوله: { لاَ يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً } [ التوبة: 10 ] ولو كان المراد منه المشركين لكان هذا تكرارًا محضًا ، ولو كان المراد منه اليهود لم يكن هذا تكرارًا ، فكان ذلك أولى .
ثم قال: { وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون } [ التوبة: 10 ] يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد ، وفي ذلك نهاية الذم ، والله أعلم .