فهرس الكتاب

الصفحة 7413 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: أن معنى الآية أن من خلق شيئًا لا بد وأن يكون عالمًا بمخلوقه ، وهذه المقدمة كما أنها مقررة بهذا النص فهي أيضًا مقررة بالدلائل العقلية ، وذلك لأن الخلق عبارة عن الإيجاد والتكوين على سبيل القصد ، والقاصد إلى الشيء لا بد وأن يكون عالمًا بحقيقة ذلك الشيء فإن الغافل عن الشيء يستحيل أن يكون قاصدًا إليه ، وكما أنه ثبت أن الخالق لا بد وأن يكون عالمًا بماهية المخلوق لا بد وأن يكون عالمًا بكميته ، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو أنقص لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره ، والقصد مسبوق بالعلم فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار وأراد إيجاد ذلك المقدار حتى يكون وقوع ذلك المقدار أولى من وقوع ما هو أزيد منه أو أنقص منه ، وإلا يلزم أن يكون اختصاص ذلك المقدار بالوقوع دون الأزيد أو الأنقص ترجيحًا لأحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح وهو محال ، فثبت أن من خلق شيئًا فإنه لا بد وأن يكون عالمًا بحقيقة ذلك المخلوق وبكميته وكيفيته ، وإذا ثبتت هذه المقدمة فنقول: تمسك أصحابنا بهذه الآية في بيان أن العبد غير موجد لأفعاله من وجهين الوجه الأول: قالوا: لو كان العبد موجدًا لأفعال نفسه لكان عالمًا بتفاصيلها ، لكنه غير عالم بتفاصيلها فهو غير موجد لها ، بيان الملازمة من وجهين الأول: التمسك بهذه الآية الثاني: أن وقوع عشرة أجزاء من الحركة مثلًا ممكن ووقوع الأزيد منه والأنقص منه أيضًا ممكن ، فاختصاص العشرة بالوقوع دون الأزيد ودون الأنقص ، لا بد وأن يكون لأجل أن القادر المختار خصه بالإيقاع ، وإلا لكان وقوعه دون الأزيد والأنقص وقوعًا للممكن المحدث من غير مرجح ، لأن القادر المختار إذا خص تلك العشرة بالإيقاع فلا بد وأن يكون عالمًا بأن الواقع عشرة لا أزيد ولا أنقص ، فثبت أن العبد لو كان موجدًا لأفعال نفسه لكان عالمًا بتفاصيلها وأما أنه غير عالم بتفاصيلها فلوجوه أحدها: أن المتكلمين اتفقوا على أن التفاوت بين الحركة السريعة والبطيئة لأجل تخلل السكنات ، فالفاعل للحركة البطيئة قد فعل في بعض الأحياز حركة وفي بعضها سكونًا مع أنه لم يخطر ألبتة بباله أنه فعل ههنا حركة وههنا سكونًا وثانيها: أن فاعل حركة لا يعرف عدد أجزاء تلك الحركات إلا إذا عرف عدد الأحياز التي بين مبدأ المسكنة ومنتهاها وذلك يتوقف على علمه بأن الجواهر الفردية التي تتسع لها تلك المسافة من أولها إلى آخرها كم هي؟ ومعلوم أن ذلك غير معلوم وثالثها: أن النائم والمغمى عليه قد يتحرك من جنب إلى جنب مع أنه لا يعلم ماهية تلك الحركة ولا كميتها ورابعها: أن عند أبي علي ، وأبي هاشم ، الفاعل إنما يفعل معنى يقتضي الحصول في الحيز ، ثم إن ذلك المعنى الموجب مما لا يخطر ببال أكثر الخلق ، فظهر بهذه الدلالة أن العبد غير موجد لأفعاله الوجه الثاني: في التمسك بهذه الآية على أن العبد غير موجد أن نقول: إنه تعالى لما ذكر أنه عالم بالسر والجهر وبكل ما في الصدور قال بعده: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } وهذا الكلام إنما يتصل بما قبله لو كان تعالى خالقًا لكل ما يفعلونه في السر والجهر ، وفي الصدور والقلوب ، فإنه لو لم يكن خالقًا لها لم يكن قوله: { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } مقتضيًا كونه تعالى عالمًا بتلك الأشياء ، وإذا كان كذلك ثبت أنه تعالى هو الخالق لجميع ما يفعلونه في السر والجهر من أفعال الجوارح ومن أفعال القلوب ، فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون المراد: ألا يعلم من خلق الأجسام والعالم الذي خلق الأجسام هو العالم بهذه الأشياء؟ قلنا: إنه لا يلزم من كونه خالقًا لغيره هذه الأشياء كونه عالمًا بها ، لأن من يكون فاعلًا لشيء لا يجب أن يكون عالمًا بشيء آخر ، نعم يلزم من كونه خالقًا لها كونه عالمًا بها لأن خالق الشيء يجب أن يكون عالمًا به .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت