فهرس الكتاب

الصفحة 2429 من 8321

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود ، فإنهم قالوا: إن كنت رسولًا من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح . وقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتابًا من السماء إلى فلان وكتابًا إلى فلان بأنك رسول الله وقيل: كتابًا نعاينه حين ينزل ، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت ، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت .

ثم قال تعالى: { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك } وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى عليه السلام وهم النقباء السبعون لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت .

واعلم أن المقصود من الآية بيان ما جبلوا عليه من التعنت ، كأنه قيل: إن موسى لما نزل عليه كتاب من السماء لم يكتفوا بذلك القدر ، بل طلبوا منه الرؤية على سبيل المعاينة ، وهذا يدل على أن طلب هؤلاء لنزول الكتاب عليهم من السماء ليس لأجل الاسترشاد بل لمحض العناد .

ثم قال تعالى: { فَقَدْ سَأَلُواْ موسى أَكْبَرَ مِن ذلك فَقَالُواْ أَرِنَا الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصاعقة بِظُلْمِهِمْ } وهذه القصة قد فسرناها في سورة البقرة ، واستدلال المعتزلة بهذه الآية على نفي الرؤية قد أجبنا عنه هناك .

ثم قال تعالى: { ثُمَّ اتخذوا العجل مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة ، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين ، والمراد بالبينات من قوله { مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات } أمور: أحدها: أنه تعالى جعل ما أراهم من الصاعقة بينات ، فإن الصاعقة وإن كانت شيئًا واحدًا إلاّ أنها كانت دالة على قدرة الله تعالى وعلى علمه وعلى قدمه ، وعلى كونه مخالفًا للأجسام والأعراض وعلى صدق موسى عليه السلام في دعوى النبوّة . وثانيها: أن المراد بالبينات إنزال الصاعقة وإحياؤهم بعد ما أماتهم . وثالثها: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى عليه السلام التي كان يظهرها في زمان فرعون ، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة ، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتابًا من السماء فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عنادًا ولجاجًا ، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة ، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل ، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت