فهرس الكتاب

الصفحة 2430 من 8321

ثم قال: { فَعَفَوْنَا عَن ذلك } يعني لم نستأصل عبدة العجل { وآتينا موسى سلطانًا مبينًا } يعني أن قوم موسى وإن كانوا قد بالغوا في إظهار اللجاج والعناد معه لكنا نصرناه وقويناه فعظم أمره وضعف خصمه ، وفيه بشارة للرسول A على سبيل التنبيه ، والرمز بأن هؤلاء الكفار وإن كانوا يعاندونه فإنه بالآخرة يستولي عليهم ويقهرهم ، ثم حكى تعالى عنهم سائر جهالاتهم وإصرارهم على أباطيلهم: فأحدها: أنه تعالى رفع فوقهم الطور بميثاقهم ، وفيه وجوه: الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين . ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع ، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق . الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا ، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين . الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد ، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله { وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم } . وثانيها: قوله: { وَقُلْنَا لَهُمُ ادخلوا الباب سُجَّدًا } ومضى بيانه في سورة البقرة . وثالثها: قوله { وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِى السبت وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ميثاقا غَلِيظًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: { لاَ تَعْدُواْ فِى السبت } ، فيه وجهان: الأول: لا تعدوا باقتناص السمك فيه قال الواحدي: يقال عدا عليه أشد العداء والعدو والعدوان ، أي ظلمه وجاوز الحد ، ومنه قوله { فَيَسُبُّواْ الله عَدْوًا } [ الأنعام: 108 ] الثاني: لا تعدوا في السبت من العدو بمعنى الحضر ، والمراد النهي عن العمل والكسب يوم السبت ، كأنه قال لهم: اسكنوا عن العمل في هذا اليوم واقعدوا في منازلكم فأنا الرزاق .

المسألة الثانية: قرأ نافع { لاَ تَعْدُواْ } ساكنة العين مشددة الدال ، وأراد: لا تعتدوا ، وحجته قوله { وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنكُمْ فِى السبت } [ البقرة: 65 ] فجاء في هذه القصة بعينها افتعلوا ، ثم أدغم التاء في الدال لتقاربهما ولأن الدال تزيد على التاء في الجهر ، وكثير من النحويين ينكرون الجمع بين الساكنين إذا كان الثاني منهما مدغمًا ولم يكن الأول حرف لين نحو دابة وشابة ، وقيل لهم ، ويقولون: إن المد يصير عوضًا عن الحركة ، وروى ورش عن نافع { لاَ تَعْدُواْ } بفتح العين وتشديد الدال ، وذلك لأنه لما أدغم التاء في الدال نقل حركتها إلى العين ، والباقون { تَعْدُواْ } بضم الدال وسكون العين حقيقة .

المسألة الثالثة: قال القفال: الميثاق الغليظ هو العهد المؤكد غاية التوكيد ، وذلك بين فيما يدعونه من التوراة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت