فهرس الكتاب

الصفحة 1151 من 8321

اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجهين الأول: أنه تعالى لما أمر بالقتال والاشتغال بالقتال لا يتيسر إلا بالآلات وأدوات يحتاج فيها إلى المال ، وربما كان ذو المال عاجزًا عن القتال وكان الشجاع القادر على القتال فقيرًا عديم المال ، فلهذا أمر الله تعالى الأغنياء بأن ينفقوا على الفقراء الذين يقدرون على القتال والثاني: يروى أنه لما نزل قوله تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ } [ البقرة: 194 ] قال رجل من الحاضرين: والله يا رسول الله ما لنا زاد وليس أحد يطعمنا فأمر رسول الله A أن ينفقوا في سبيل الله وأن يتصدقوا وأن لا يكفوا أيديهم عن الصدقة ولو بشق تمرة تحمل في سبيل الله فيهلكوا ، فنزلت هذه الآية على وفق رسول الله A .

واعلم أن الإنفاق هو صرف المال إلى وجوه المصالح ، فلذلك لا يقال في المضيع: إنه منفق فإذا قيد الإنفاق بذكر سبيل الله ، فالمراد به في طريق الدين ، لا السبيل هو الطريق ، وسبيل الله هو دينه . فكل ما أمر الله به في دينه من الإنفاق فهو داخل في الآية سواء كان إنفاقًا في حج أو عمرة أو كان جهادًا بالنفس ، أو تجهيزًا للغير ، أو كان إنفاقًا في صلة الرحم ، أو في الصدقات أو على العيال ، أو في الزكوات والكفارات ، أو عمارة السبيل وغير ذلك ، إلا أن الأقرب في هذه الآية وقد تقدم ذكر الجهاد أنه يراد به الإنفاق في الجهاد ، بل قال: { وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } لوجهين الأول: أن هذا كالتنبيه على العلة في وجوب هذا الإنفاق ، وذلك لأن المال مال الله فيجب إنفاقه في سبيل الله ، ولأن المؤمن إذا سمع ذكر الله اهتز ونشط فيسهل عليه إنفاق المال الثاني: أن هذه الآية إنما نزلت وقت ذهاب رسول الله A إلى مكة لقضاء العمرة ، وكانت تلك العمرة لا بد من أن تفضى إلى القتال إن منعهم المشركون ، فكانت عمرة وجهادًا ، واجتمع فيه المعنيان ، فلما كان الأمر كذلك ، لا جرم قال تعالى: { وَأَنفِقُواْ فِى سَبِيلِ الله } ولم يقل: وأنفقوا في الجهاد والعمرة .

أما قوله تعالى: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو عبيدة والزجاج { التهلكة } الهلاك يقال: هلك يهلك هلاكًا وهلكًا وتهلكة: قال الخارزنجي: لا أعلم في كلام العرب مصدرًا على تفعلة بضم العين إلا هذا ، قال أبو علي: قد حكى سيبويه: التنصرة والتسترة ، وقد جاء هذا المثال اسمًا غير مصدر ، قال: ولا نعلمه جاء صفة قال صاحب «الكشاف» : ويجوز أن يقال أصله التهلكة ، كالتجربة والتبصرة على أنها مصدر هكذا فأبدلت الضمة بالكسرة ، كما جاء الجوار في الجوار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت