وأقول: إني لأتعجب كثيرًا من تكلفات هؤلاء النحويين في أمثال هذه المواضع ، وذلك أنهم لو وجدوا شعرًا مجهولًا يشهد لما أرادوه فرحوا به ، واتخذوه حجة قوية ، فورود هذا اللفظ في كلام الله تعالى المشهود له من الموافق والمخالف بالفصاحة ، أولى بأن يدل على صحة هذه اللفظة واستقامتها .
المسألة الثانية: اتفقوا على أن الباء في قوله: { بِأَيْدِيكُمْ } تقتضي إما زيادة أو نقصانًا فقال قوم: الباء زائدة والتقدير: ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة . وهو كقوله: جذبت الثوب بالثوب ، وأخذت القلم بالقلم فهما لغتان مستعملتان مشهورتان ، أو المراد بالأيدي الأنفس كقوله: { بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج: 10 ] أو { بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم } [ الشورى: 30 ] فالتقدير: ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة ، وقال آخرون: بل ههنا حذف . والتقدير: ولا تلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة .
المسألة الثالثة: قوله: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } اختلف المفسرون فيه ، فمنهم من قال: إنه راجع إلى نفس النفقة ، ومنهم من قال: إنه راجع إلى غيرها ، أما الأولون فذكروا فيه وجوه الأول: أن لا ينفقوا في مهمات الجهاد أموالهم ، فيستولي العدو عليهم ويهلكهم ، وكأنه قيل: إن كنت من رجال الدين فأنفق مالك في سبيل الله وفي طلب مرضاته ، وإن كنت من رجال الدنيا فأنفق مالك في دفع الهلاك والضرر عن نفسك الوجه الثاني: أنه تعالى لما أمره بالإنفاق نهاه عن أن ينفق كل ماله ، فإن إنفاق كل المال يفضي إلى التهلكة عند الحاجة الشديدة إلى المأكول والمشروب والملبوس فكان المراد منه ما ذكره في قوله: { والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } [ الشورى: 67 ] وفي قوله: { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء: 29 ] وأما الذين قالوا: المراد منه غير النفقة فذكروا فيه وجوهًا أحدها: أن يخلوا بالجهاد فيتعرضوا للهلاك الذي هو عذاب النار فحثهم بذلك على التمسك بالجهاد وهو كقوله: { لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ } [ الأنفال: 42 ] وثانيها: المراد من قوله: { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } أي لا تقتحموا في الحرب بحيث لا ترجون النفع ، ولا يكون لكم فيه إلا قتل أنفسكم فإن ذلك لا يحل ، وإنما يجب أن يقتحم إذا طمع في النكاية وإن خاف القتل ، فأما إذا كان آيسًا من النكاية وكان الأغلب أنه مقتول فليس له أن يقدم عليه ، وهذا الوجه منقول عن البراء بن عازب ، ونقل عن أبي هريرة Bه أنه قال في هذه الآية: هو الرجل يستقل بين الصفين ، ومن الناس من طعن في هذا التأويل وقال: هذا القتل غير محرم واحتج عليه بوجوه الأول: روي أن رجلًا من المهاجرين حمل على صف العدو فصاح به الناس فألقى بيده إلى التهلكة فقال أبو أيوب الأنصاري نحن أعلم بهذه الآية وإنما نزلت فينا: صحبنا رسول الله A ونصرناه وشهدنا معه المشاهد فلما قوي الإسلام وكثر أهله رجعنا إلى أهالينا وأموالنا وتصالحنا ، فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد والثاني: روى الشافعي Bه أن رسول الله A ذكر الجنة ، فقال له رجل من الأنصار: أرأيت يا رسول الله إن قتلت صابرًا محتسبًا؟ قال E: