فهرس الكتاب

الصفحة 2599 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله { مّن ذلك } إشارة إلى المنقم ، ولا بدّ من حذف المضاف ، وتقديره: بشر من أهل ذلك؛ لأنه قال: { مَن لَّعَنَهُ الله } ولا يقال الملعون شر من ذلك الدين ، بل يقال: إنه شر ممن له ذلك الدين .

فإن قيل: فهذا يقتضي كون الموصوفين بذلك الدين محكومًا عليهم بالشر ، ومعلوم أنه ليس كذلك .

قلنا: إنما خرج الكلام على حسب قولهم واعتقادهم ، فإنهم حكموا بأن اعتقاد ذلك الدين شر ، فقيل لهم: هب أن الأمر كذلك ولكن لعنة الله وغضبه ومسخ الصور شر من ذلك .

المسألة الثانية: { مَثُوبَةً } نصب على التمييز ، ووزنها مفعلة كقولك: مقولة ومجوزة ، وهو بمعنى المصدر ، وقد جاءت مصادر على مفعول كالمعقول والميسور .

فإن قيل: المثوبة مختصة بالإحسان ، فكيف جاءت في الإساءة؟

قلنا: هذا على طريقة قوله { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران: 21 ] وقول الشاعر:

تحية بينهم ضرب وجيع

المسألة الثالثة: { مِنْ } في قوله { مَن لَّعَنَهُ الله } يحتمل وجهين: الأول: أنه في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، فإنه لما قال: { قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك } فكأن قائلًا قال: من ذلك؟ فقيل: هو من لعنه الله ، ونظيره قوله تعالى: { قُلْ أَفَأُنَبّئُكُم بِشَرّ مّن ذلكم النار } [ الحج: 72 ] كأنه قال: هو النار . الثاني: يجوز أن يكون في موضع خفض بدلًا من ( شر ) والمعنى أنبئكم بمن لعنه الله .

المسألة الرابعة: اعلم أنه تعالى ذكر من صفاتهم أنواعًا: أولها: أنه تعالى لعنهم ، وثانيها: أنه غضب عليهم ، وثالثها: أنه جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت . قال أهل التفسير: عنى بالقردة أصحاب السبت ، وبالخنازير كفار مائدة عيسى . وروي أيضًا أن المسخين كانا في أصحاب السبت لأن شبانهم مسخوا قردة ، ومشايخهم مسخوا خنازير .

المسألة الخامسة: ذكر صاحب «الكشاف» في قوله { وَعَبَدَ الطاغوت } أنواعًا من القرآات: أحدها: قرأ أُبي: وعبدوا الطاغوت ، وثانيها: قرأ ابن مسعود: ومن عبدوا ، وثالثها: وعابد الطاغوت عطفًا على القردة ، ورابعها: وعابدي ، وخامسها: وعباد ، وسادسها: وعبد ، وسابعها: وعبد ، بوزن حطم ، وثامنها: وعبيد ، وتاسعها: وعبد بضمتين جميع عبيد ، وعاشرها: وعبدة بوزن كفرة ، والحادي عشر: وعبد ، وأصله عبدة ، فحذفت التاء للإضافة ، أو هو كخدم في جمع خادم ، والثاني عشر: عبد ، والثالث عشر: عباد ، والرابع عشر: وأعبد ، والخامس عشر: وعبد الطاغوت على البناء للمفعول ، وحذف الراجع ، بمعنى وعبد الطاغوت فيهم أو بينهم ، والسادس عشر: وعبد الطاغوت ، بمعنى صار الطاغوت معبودًا من دون الله تعالى ، كقولك: أمر إذا صار أميرًا ، والسابع عشر: قرأ حمزة: عبد الطاغوت بفتح العين وضم الباء ونصب الدال وجر الطاغوت ، وعابوا هذه القراءة على حمزة ولحنوه ونسبوه إلى ما لا يجوز ذكره ، وقال قوم: إنها ليست بلحن ولا خطأ ، وذكروا فيها وجوهًا: الأول: أن العبد هو العبد إلا أنهم ضموا الباء للمبالغة ، كقولهم: رجل حذر وفطن للبليغ في الحذر والفطنة ، فتأويل عبد الطاغوت أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان ، وهذا أحسن الوجوه . الثاني: أن العبد ، والعبد لغتان كقولهم: سبع وسبع . والثالث: أن العبد جمعه عباد ، والعباد جمعه عبد ، كثمار وثمر . ثم استثلقوا ضمتين متواليتين فأبدلت الأولى بالفتحة . الرابع: يحتمل أنه أراد أعبد الطاغوت ، فيكون مثل فلس وأفلس ، ثم حذفت الهمزة ونقلت حركتها إلى العين . الخامس: يحتمل أنه أراد: وعبدة الطاغوت كما قريء ، ثم حذف الهاء وضم الباء لئلا يشتبه بالفعل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت