فهرس الكتاب

الصفحة 1912 من 8321

اعلم أن هذه الآية من تمام ما تقدم ذكره ، فإنه تعالى ذكر وجوها كثيرة في الترغيب في الجهاد وعدم المبالاة بالكفار ، ومن جملتها ما ذكر في هذه الآية أنه تعالى يلقي الخوف في قلوب الكفار ، ولا شك أن ذلك مما يوجب استيلاء المسلمين عليهم ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في أن هذا الوعد هل هو مختص بيوم أحد ، أو هو عام في جميع الأوقات؟ قال كثير من المفسرين: إنه مختص بهذا اليوم ، وذلك لأن جميع الآيات المتقدمة إنما وردت في هذه الواقعة ، ثم القائلون بهذا القول ذكروا في كيفية إلقاء الرعب في قلوب المشركين في هذا اليوم وجهين: الأول: أن الكفار لما استولوا على المسلمين وهزموهم أوقع الله الرعب في قلوبهم ، فتركوهم وفروا منهم من غير سبب ، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ، وقال: أين ابن أبي كبشة ، وأين ابن أبي قحافة ، وأين ابن الخطاب ، فأجابه عمر ، ودارت بينهما كلمات ، وما تجاسر أبو سفيان على النزول من الجبل والذهاب إليهم ، والثاني: أن الكفار لما ذهبوا إلى مكة ، فلما كانوا في بعض الطريق قالوا: ما صنعنا شيئًا ، قتلنا الأكثرين منهم ، ثم تركناهم ونحن قاهرون ، ارجعوا حتى نستأصلهم بالكلية ، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم .

والقول الثاني: أن هذا الوعد غير مختص بيوم أحد ، بل هو عام . قال القفال C: كأنه قيل إنه وإن وقعت لكم هذه الواقعة في يوم أحد إلا أن الله تعالى سيلقي الرعب منكم بعد ذلك في قلوب الكافرين حتى يقهر الكفار ، ويظهر دينكم على سائر الأديان . وقد فعل الله ذلك حتى صار دين الإسلام قاهرًا لجميع الأديان والملل ، ونظير هذه الآية قوله عليه السلام « نصرت بالرعب مسيرة شهر » .

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر والكسائي { الرعب } بضم العين ، والباقون بتخفيفها في كل القرآن ، قال الواحدي: هما لغتان ، يقال: رعبته رعبا ورعبا وهو مرعوب ، ويجوز أن يكون الرعب مصدرا ، والرعب اسم منه .

المسألة الثالثة: الرعب: الخوف الذي يحصل في القلب ، وأصل الرعب الملء ، يقال سيل راعب إذا ملأ الأودية والأنهار ، وإنما سمي الفزع رعبا لأنه يملأ القلب خوفا .

المسألة الرابعة: ظاهر قوله: { سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } يقتضي وقوع الرعب في جميع الكفار ، فذهب بعض العلماء إلى اجراء هذا العموم على ظاهره ، لأنه لا أحد يخالف دين الإسلام إلا وفي قلبه ضرب من الرعب من المسلمين ، إما في الحرب ، وإما عند المحاجة .

وقوله تعالى: { سَنُلْقِى فِى قُلُوبِ الذين كَفَرُواْ الرعب } لا يقتضي وقوع جميع أنواع الرعب في قلوب الكفار ، إنما يقتضي وقوع هذه الحقيقة في قلوبهم من بعض الوجوه ، وذهب جمع من المفسرين إلى أنه مخصوص بأولئك الكفار .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت