فهرس الكتاب

الصفحة 1913 من 8321

أما قوله: { بِمَا أَشْرَكُواْ بالله } فاعلم أن «ما» مصدرية ، والمعنى: بسبب إشراكهم بالله .

واعلم أن تقدير هذا بالوجه المعقول هو أن الدعاء إنما يصير في محل الاجابة عند الاضطرار كما قال: { أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ } [ النحل: 62 ] ومن اعتقد أن لله شريكا لم يحصل له الاضطرار ، لأنه يقول: إن كان هذا المعبود لا ينصرني ، فذاك الآخر ينصرني ، وإن لم يحصل في قلبه الاضطرار لم تحصل الاجابة ولا النصرة ، وإذا لم يحصل ذلك وجب أن يحصل الرعب والخوف في قلبه ، فثبت أن الاشراك بالله يوجب الرعب .

أما قوله: { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: السلطان ههنا هو الحجة والبرهان ، وفي اشتقاقه وجوه: الأول: قال الزجاج: إنه من السليط وهو الذي يضاء به السراج ، وقيل للأمراء سلاطين لأنهم الذين بهم يتوصل الناس إلى تحصيل الحقوق . الثاني: أن السلطان في اللغة هو الحجة ، وإنما قيل للأمير سلطان ، لأن معناه أنه ذو الحجة . الثالث: قال الليث: السلطان القدرة ، لأن أصل بنائه من التسليط وعلى هذا سلطان الملك: قوته وقدرته ، ويسمى البرهان سلطانًا لقوته على دفع الباطل . الرابع: قال ابن دريد: سلطان كل شيء حدته ، وهو مأخوذ من اللسان السليط ، والسلاطة بمعنى الحدة .

المسألة الثانية: قوله: { مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } يوهم أن فيه سلطانا إلا أن الله تعالى ما أنزله وما أظهره ، إلا أن الجواب عنه أنه لو كان لأنزل الله به سلطانا ، فلما لم ينزل به سلطانًا وجب عدمه ، وحاصل الكلام فيه ما يقوله المتكلمون: أن هذا مما لا دليل عليه فلم يجز إثباته ، ومنهم من يبالغ فيقول: لا دليل عليه فيجب نفيه ، ومنهم من احتج بهذا الحرف على وحدانية الصانع ، فقال: لا سبيل إلى اثبات الصانع إلا باحتياج المحدثات اليه ، ويكفي في دفع هذه الحاجة اثبات الصانع الواحد ، فما زاد عليه لا سبيل إلى اثباته فلم يجز اثباته .

المسألة الثالثة: هذه الآية دالة على فساد التقليد ، وذلك لأن الآية دالة على أن الشرك لا دليل عليه ، فوجب أن يكون القول به باطلا ، وهذا إنما يصح إذا كان القول باثبات ما لا دليل على ثبوته يكون باطلا ، فيلزم فساد القول بالتقليد .

ثم قال تعالى: { وَمَأْوَاهُمُ النار } .

واعلم أنه تعالى بين أن أحوال هؤلاء المشركين في الدنيا هو وقوع الخوف في قلوبهم ، وبين أحوالهم في الآخرة ، وهي أن مأواهم ومسكنهم النار .

ثم قال: { وَبِئْسَ مثوى الظالمين } المثوى: المكان الذي يكون مقر الانسان ومأواه ، من قولهم: ثوى يثوي ثويا ، وجمع المثوى مثاوي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت