فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 8321

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمرنا في الآية السالفة بتناول الحلال فصل في هذه الآية أنواع الحرام ، والكلام فيها على نوعين النوع الأول: ما يتعلق بالتفسير والنوع الثاني: ما يتعلق بالأحكام التي استنبطها العلماء من هذه الآية «فالنوع الأول» فيه مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن كلمة { إِنَّمَا } على وجهين أحدهما: أن تكون حرفًا واحدًا ، كقولك: إنما داري دارك ، وإنما مالي مالك الثاني: أن تكون ( ما ) منفصلة من: إن ، وتكون ( ما ) بمعنى الذي ، كقولك: إن ما أخذت مالك ، وإن ما ركبت دابتك ، وجاء في التنزيل على الوجهين ، أما على الأول فقوله: { إِنَّمَا الله إله واحد وَإِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } [ هود: 12 ] وأما على الثاني فقوله: { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ } [ طه: 69 ] ولو نصبت كيد ساحر على أن تجعل { إِنَّمَا } حرفًا واحدًا كان صوابًا ، وقوله: { إِنَّمَا اتخذتم مّن دُونِ الله أوثانا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ } [ العنكبوت: 25 ] تنصب المودة وترفع على هذين الوجهين ، واختلفوا في حكمها على الوجه الأول ، فمنهم من قال { إِنَّمَا } تفيد الحصر واحتجو عليه بالقرآن والشعر والقياس ، أما القرآن فقوله تعالى: { إِنَّمَا الله إله واحد } [ النساء: 171 ] أي ما هو إلا إله واحد ، وقال: { إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَاءِ والمساكين } [ التوبة: 60 ] أي لهم لا لغيرهم وقال تعالى لمحمد: { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ } [ الكهف: 110 ] أي ما أنا إلا بشر مثلكم ، وكذا هذه الآية فإنه تعالى قال في آية أخرى { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ } [ الأنعام: 145 ] فصارت الآيتان واحدة فقوله: { إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ } في هذه الآية مفسر لقوله: { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا } إلا كذا في تلك الآية ، وأما الشعر فقوله الأعشى:

ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر

وقول الفرزق:

أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابه أنا أو مثلى

وأما القياس ، فهو أن كلمة { إن } للإثبات وكلمة { مَا } للنفي فإذا اجتمعا فلا بد وأن يبقيا على أصليهما؛ فإما أن يفيدا ثبوت غير المذكور ، ونفي المذكور وهو باطل بالاتفاق ، أو ثبوت المذكور ، ونفي غير المذكور وهو المطلوب ، واحتج من قال: إنه لا يفيد الحصر بقوله تعالى: { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ولقد كان غيره نذيرًا ، وجوابه معناه: ما أنت إلا نذير فهو يفيد الحصر ، ولا ينفي وجود نذير آخر .

المسألة الثانية: قرىء { حَرَّمَ } على البناء للفاعل و { حُرِمَ } للبناء للمفعول و { حَرَّمَ } بوزن كرم .

المسألة الثالثة: قال الواحدي: الميتة ما فارقته الروح من غير زكاة مما يذبح ، وأما الدم فكانت العرب تجعل الدم في المباعر وتشويها ثم تأكلها ، فحرم الله الدم وقوله: { لَحْمَ الخنزير } أراد الخنزير بجميع أجزائه ، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل وقوله: { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } قال الأصمعي: الإهلال أصله رفع الصوت فكل رافع صوته فهو مهل ، وقال ابن أحمر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت