يهل بالفدفد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر
هذا معنى الإهلال في اللغة ، ثم قيل للمحرم مهل لرفعه الصوت بالتلبية عند الإحرام ، هذا معنى الإهلال ، يقال: أهل فلان بحجة أو عمرة أي أحرم بها ، وذلك لأنه يرفع الصوت بالتلبية عند الإحرام ، والذابح مهل ، لأن العرب كانوا يسمون الأوثان عند الذبح ، ويرفعون أصواتهم بذكرها ومنه: استهل الصبي ، فمعنى قوله: { وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله } يعني ما ذبح للاصنام ، وهو قول مجاهد ، والضحاك وقتادة ، وقال الربيع بن أنس وابن زيد: يعني ما ذكر عليه غير اسم الله ، وهذا القول أولى ، لأنه أشد مطابقة للفظ ، قال العلماء: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة ، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتدًا وذبيحته ذبيحة مرتد ، وهذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب ، أما ذبائح أهل الكتاب ، فتحل لنا لقوله تعالى: { وَطَعَامُ الذين أُوتُواْ الكتاب حِلٌّ لَّكُمْ } [ المائدة: 5 ] .
أما قوله تعالى: { فَمَنِ اضطر } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ نافع ، وابن كثير ، وابن عامر والكسائي: { فَمَنِ اضطر } بضم النون والباقون بالكسر ، فالضم للاتباع ، والكسر على أصل الحركة لإلتقاء الساكنين .
المسألة الثانية: اضطر: أحوج وألجىء ، وهو افتعل من الضرورة ، وأصله من الضرر ، وهو الضيق .
المسألة الثالثة: لما حرم الله تعالى تلك الأشياء ، استثنى عنها حال الضرورة ، وهذه الضرورة لها سببان أحدهما: الجوع الشديد ، وأن لا يجد مأكولا حلالا يسد به الرمق ، فعند ذلك يكون مضطرًا الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره ، فيحل له تناوله .
المسألة الرابعة: أن الاضطرار ليس من أفعال المكلف ، حتى يقال إنه { لا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإذن لا بد ههنا من إضمار وهو الأكل والتقدير: فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه والحذف ههنا كالحذف في قوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة: 184 ] أي فأفطر فحذف فأفطر وقوله: { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ } [ البقرة: 196 ] ومعناه فحلق ففدية ، وإنما جاز الحذف لعلم المخاطبين بالحذف ، ولدلالة الخطاب عليه .
أما قوله تعالى: { غَيْرَ بَاغٍ } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: قال الفراء { غَيْرِ } ههنا لا تصلح أن تكون بمعنى الاستثناء ، لأن غير ههنا بمعنى النفي ، ولذلك عطف عليها لا لأنها في معنى: لا ، وهي ههنا حال للمضطر ، كأنك قلت: فمن اضطر باغيًا ، ولا عاديًا فهو له حلال .
المسألة الثانية: أصل البغي في اللغة الفساد ، وتجاوز الحد قال الليث: البغي في عدو الفرس اختيال ومروح ، وأنه يبغي في عدوه ولا يقال: فرس باغ ، والبغي الظلم والخروج عن الإنصاف ومنه قوله تعالى: