فهرس الكتاب

الصفحة 1025 من 8321

{ والذين إِذَا أَصَابَهُمُ البغى هُمْ يَنتَصِرُونَ } [ الشورى: 39 ] وقال الأصمعي: بغي الجرح يبغي بغيا ، إذا بدأ بالفساد ، وبغت السماء ، إذا كثر مطرها حتى تجاوز الحد ، وبغى الجرح والبحر والسحاب إذا طغى .

أما قوله تعالى: { وَلاَ عَادٍ } فالعدو هو التعدي في الأمور ، وتجاوز ما ينبغي أن يقتصر عليه ، يقال عدا عليه عدوا ، وعدوانا ، واعتداء وتعديا ، إذا ظلمه ظلمًا مجاوزًا للحد ، وعدا طوره: جاوز قدره .

المسألة الثالثة: لأهل التأويل في قوله: { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } قولان أحدهما: أن يكون قوله { غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ } مختصًا بالأكل والثاني: أن يكون عاما في الأكل وغيره ، أما على القول الأول ففيه وجوه الأول: { غَيْرَ بَاغٍ } وذلك بأن يجد حلالًا تكرهه النفس ، فعدل إلى أكل الحرام اللذيذ { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوز قدر الرخصة الثاني: غير باغ للذة أي طالب لها ، ولا عاد متجاوز سد الجوعة ، عن الحسن ، وقتاد ، والربيع ، ومجاهد ، وابن زيد الثالث: غير باغ على مضطر آخر بالاستيلاء عليه ، ولا عاد في سد الجوعة .

القول الثاني: أن يكون المعنى غير باغ على إمام المسلمين في السفر من البغي ، ولا عاد بالمعصية أي مجاوز طريقة المحقين ، والكلام في ترجيح أحد هذين التأويلين على الآخر سيجيء إن شاء الله تعالى .

أما قوله: { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } ففيه سؤالان أحدهما: أن الأكل في تلك الحالة واجب وقوله: { لا إِثْمَ عَلَيْهِ } يفيد الإباحة الثاني: أن المضطر كالملجأ إلى الفعل والملجأ لا يوصف بأنه لا إثم عليه ، قلنا: قد بينا في تفسير قوله: { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } [ البقرة: 158 ] أن نفي الإثم قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح ، وأيضًا فقوله تعالى: { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } معناه رفع الحرج والضيق ، واعلم أن هذا الجائع إن حصلت فيه شهوة الميتة ، ولم يحصل فيه النفرة الشديدة فإنه يصير ملجأ إلى تناول ما يسد به الرمق كما يصير ملجأ إلى الهرب من السبع إذا أمكنه ذلك ، أما إذا حصلت النفرة الشديدة فإنه بسبب تلك النفرة يخرج عن أن يكون ملجأ ولزمه تناول الميتة على ما هو عليه من النفار ، وههنا يتحقق معنى الوجوب .

أما قوله تعالى: في آخر الآية: { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ففيه إشكال وهو أنه لما قال: { فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } فكيف يليق أن يقول بعده: { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فإن الغفران إنما يكون عند حصول الإثم .

والجواب: من وجوه أحدها: أن المقتضى للحرمة قائم في الميتة والدم ، إلا أنه زالت الحرمة لقيام المعارض ، فلما كان تناوله تناولا لما حصل فيه المقتضى للحرمة عبر عنه بالمغفرة ، ثم ذكر بعده أنه رحيم ، يعني لأجل الرحمة عليكم أبحت لكم ذلك وثانيها: لعل المضطر يزيد على تناول الحاجة ، فهو سبحانه غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة ، رحيم حيث أباح في تناول قدر الحاجة وثالثها: أنه تعالى لما بين هذه الأحكام عقبها بكونه غفورًا رحيمًا لأنه غفور للعصاة إذا تابوا ، رحيم بالمطيعين المستمرين على نهج حكمه سبحانه وتعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت