اعمل أنه تعالى لما هدد اليهود بقوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ } فعند هذا قالوا: لسنا من المشركين ، بل نحن خواص الله تعالى كما حكى تعالى عنهم انهم قالوا: { نَحْنُ أَبْنَاء الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة: 18 ] وحكى عنهم أنهم قالوا: { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة: 80 ] وحكى أيضا أنهم قالوا: { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا أَوْ نصارى } [ البقرة: 111 ] وبعضهم كانوا يقولون: أن آباءنا كانوا أنبياء فيشفعون لنا . وعن ابن عباس Bه ان قوما من اليهود أتوا بأطفالهم إلى النبي A وقالوا: يا محمد هل على هؤلاء ذنب؟ فقال لا ، فقالوا: والله ما نحن إلا كهؤلاء: ما عملناه بالليل كفر عنا بالنهار ، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل . وبالجملة فالقوم كانوا قد بالغوا في تزكية أنفسهم فذكر تعالى في هذه الآية أنه لا عبرة بتزكية الانسان نفسه ، وإنما العبرة بتزكية الله له وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: التزكية في هذا الموضع عبارة عن مدح الانسان نفسه ، ومنه تزكية المعدل للشاهد ، قال تعالى: { فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى } [ النجم: 32 ] وذلك لأن التزكية متعلقة بالتقوى ، والتقوى صفة في الباطن ، ولا يعلم حقيقتها إلا الله ، فلا جرم لا تصلح التزكية إلا من الله ، فلهذا قال تعالى: { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء } .
فان قيل: أليس أنه A قال: « والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض » . قلنا: إنما قال ذلك حين قال المنافقون له: اعدل في القسمة ، ولأن الله تعالى لما زكّاه أولا بدلالة المعجزة جاز له ذلك بخلاف غيره .
المسألة الثانية: قوله: { بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء } يدل على أن الايمان يحصل بخلق الله تعالى لأن أجل أنواع الزكاة والطهارة وأشرفها هو الايمان ، فلما ذكر تعالى انه هو الذي يزكي من يشاء دل على أن ايمان المؤمنين لم يحصل إلا بخلق الله تعالى .
المسألة الثالثة: قوله: { وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } هو كقوله: { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } [ النساء: 40 ] والمعنى ان الذين يزكون أنفسهم يعاقبون على تلك التزكية حق جزائهم من غير ظلم ، أو يكون المعنى: أن الذين زكاهم الله فانه يثيبهم على طاعاتهم ولا ينقص من ثوابهم شيئا ، والفتيل ما فتلت بين أصبعيك من الوسخ ، فعيل بمعنى مفعول ، وعن ابن السكيت: الفتيل ما كان في شق النواة ، والنقير النقطة التي في ظهر النواة ، والقطمير القشرة الرقيقة على النواة ، وهذه الأشياء كلها تضرب أمثالا للشيء التافه الحقير ، أي لا يظلمون لا قليلا ولا كثيرا .
ثم قال تعالى: { انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ } وفيه مسألتان: