قوله تعالى: { هُوَ الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ استوى عَلَى العرش } وهو مفسر في الأعراف والمقصود منه دلائل القدرة .
ثم قال تعالى: { يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السماء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } وهو مفسر في سبأ ، والمقصود منه كمال العلم ، وإنما قدم وصف القدرة على وصف العلم ، لأن العلم بكونه تعالى قادرًا قبل العلم بكونه تعالى عالمًا ، ولذلك ذهب جمع من المحققين إلى أن أول العلم بالله ، هو العلم بكونه قادرًا ، وذهب آخرون إلى أن أول العلم بالله هو العلم بكونه مؤثرًا ، وعلى التقديرين فالعلم بكونه قادرًا متقدم على العلم بكونه عالمًا .
ثم قال تعالى: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: اعلم أنه قد ثبت أن كل ما عدا الواجب الحق فهو ممكن ، وكل ممكن فوجوده من الواجب ، فإذن وصول الماهية الممكنة إلى وجودها بواسطة إفادة الواجب الحق ذلك الوجود لتلك الماهية فالحق سبحانه هو المتوسط بين كل ماهية وبين وجودها ، فهو إلى كل ماهية أقرب من وجود تلك الماهية ، ومن هذا السر قال المحققون: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله قبله ، وقال المتوسطون: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله معه ، وقال الظاهريون: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت الله بعده .
واعلم أن هذه الدقائق التي أظهرناها في هذه المواضع لها درجتان إحداهما: أن يصل الإنسان إليها بمقتضى الفكرة والروية والتأمل والتدبر والدرجة الثانية: أن تتفق لنفس الإنسان قوة ذوقية وحالة وجدانية لا يمكن التعبير عنها ، وتكون نسبة الإدراك مع الذوق إلى الإدراك لا مع الذوق ، كنسبة من يأكل السكر إلى من يصف حلاوته بلسانه .
المسألة الثانية: قال المتكلمون: هذه المعية إما بالعلم وإما بالحفظ والحراسة ، وعلى التقديرين فقد انعقد الإجماع على أنه سبحانه ليس معنا بالمكان والجهة والحيز ، فإذن قوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ } لا بد فيه من التأويل وإذا جوزنا التأويل في موضع وجب تجويزه في سائر المواضع .
المسألة الثالثة: اعلم أن في هذه الآيات ترتيبًا عجيبًا ، وذلك لأنه بين قوله: { هُوَ الأول والآخر والظاهر والباطن } كونه إلهًا لجميع الممكنات والكائنات ، ثم بين كونه إلهًا للعرش والسموات والأرضين . ثم بين بقوله: { وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ } معينه لنا بسبب القدرة والإيجاد والتكوين وبسبب العلم وهو كونه عالمًا بظواهرنا وبواطننا ، فتأمل في كيفية هذا الترتيب ، ثم تأمل في ألفاظ هذه الآيات فإن فيها أسرارًا عجيبة وتنبيهات على أمور عالية .