المسألة الثانية: احتج كثير من العلماء في إثبات أن الإله واحد بقوله: { هُوَ الأول } قالوا الأول هو الفرد السابق ، ولهذا المعنى لو قال: أول مملوك اشتريته فهو حر ، ثم اشترى عبدين لم يعتقا ، لأن شرط كونه أولًا حصول الفردية ، وههنا لم تحصل ، فلو اشترى بعد ذلك عبدًا واحدًا لم يعتق ، لأن شرط الأولية كونه سابقًا وههنا لم يحصل ، فثبت أن الشرط في كونه أولًا أن يكون فردًا ، فكانت الآية دالة على أن صانع العالم فرد .
المسألة الثالثة: أكثر المفسرين قالوا: إنه أول لأنه قبل كل شيء ، وإنه آخر لأنه بعد كل شيء ، وإنه ظاهر بحسب الدلائل ، وإنه باطن عن الحواس محتجب عن الأبصار ، وأن جماعة لما عجزوا عن جواب جهم قالوا: معنى هذه الألفاظ مثل قول القائل: فلان هو أول هذا الأمر وآخره وظاهره وباطنه ، أي عليه يدور ، وبه يتم .
واعلم أنه لما أمكن حمل الآية على الوجوه التي ذكرناها مع أنه يسقط بها استدلال جهم لم يكن بنا إلى حمل الآية على هذا المجاز حاجة ، وذكروا في الظاهر والباطن أن الظاهر هو الغالب العالي على كل شيء ، ومنه قوله تعالى: { فَأَصْبَحُواْ ظاهرين } [ الصف: 14 ] أي غالبين عالين ، من قولك: ظهرت على فلان أي علوته ، ومنه قوله تعالى: { عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ } [ الزخرف: 33 ] وهذا معنى ما روى في الحديث: « وأنت الظاهر فليس فوقك شيء » وأما الباطن فقال الزجاج: إنه العالم بما بطن ، كما يقول القائل: فلان يظن أمر فلان ، أي يعلم أحواله الباطنة قال الليث: يقال: أنت أبطن بهذا الأمر من فلان ، أي أخبر بباطنه ، فمعنى كونه باطنًا ، كونه عالمًا ببواطن الأمور ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله بعد ذلك: { وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } يكون تكرارًا . أما على التفسير الأول فإنه يحسن موقعه لأنه يصير التقدير كأنه قيل: إن أحدًا لا يحيط به ولا يصل إلى أسراره ، وإنه لا يخفى عليه شيء من أحوال غيره ونظيره { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } [ المائدة: 116 ] .