قال الواحدي: أصل الكنود منع الحق والخير والكنود الذي يمنع ما عليه ، والأرض الكنود هي التي لا تنبت شيئًا ثم للمفسرين عبارات ، فقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة: الكنود هو الكفور قالوا: ومنه سمي الرجل المشهور كندة لأنه كند أباه ففارقه ، وعن الكلبي الكنود بلسان كندة العاصي وبلسان بني مالك البخيل ، وبلسان مضر وربيعة الكفور ، وروى أبو أمامة عن النبي A أن: الكنود هو الكفور الذي يمنع رفده ، ويأكل وحده ، ويضرب عبده ، وقال الحسن: الكنود اللوام لربه يعد المحن والمصائب ، وينسى النعم والراحات ، وهو كقوله: { وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه فَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ } [ الفجر: 16 ] .
واعلم أن معنى الكنود لا يخرج عن أن يكون كفرًا أو فسقًا ، وكيفما كان فلا يمكن حمله على كل الناس ، فلا بد من صرفه إلى كافر معين ، أو إن حملناه على الكل كان المعنى أن طبع الإنسان يحمله على ذلك إلا إذا عصمه الله بلطفه وتوفيقيه من ذلك ، والأول قول الأكثرين قالوا: لأن ابن عباس قال: إنها نزلت في قرط بن عبد الله بن عمرو بن نوفل القرشي ، وأيضًا فقوله: { أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى القبور } [ العاديات: 9 ] لا يليق إلا بالكافر ، لأن ذلك كالدلالة على أنه منكر لذلك الأمر .
الثاني: من الأمور التي أقسم الله عليها قوله: { وَإِنَّهُ على ذَلِكَ لَشَهِيدٌ } وفيه قولان: أحدهما: أن الإنسان على ذلك أي على كنوده لشهيد يشهد على نفسه بذلك ، أما لأنه أمر ظاهر لا يمكنه أن يجحده ، أو لأنه يشهد على نفسه بذلك في الآخرة ويعترف بذنوبه القول الثاني: المراد وإن الله على ذلك لشهيد قالوا: وهذا أولى لأن الضمير عائد إلى أقرب المذكورات والأقرب ههنا هو لفظ الرب تعالى ويكون ذلك كالوعيد والزجر له عين المعاصي من حيث إنه يحصى عليه أعماله ، وأما الناصرون للقول الأول فقالوا: إن قوله بعد ذلك: { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } الضمير فيه عائد إلى الإنسان ، فيجب أن يكون الضمير في الآية التي قبله عائدًا إلى الإنسان ليكون النظم أحسن .
الأمر الثالث: مما أقسم الله عليه قوله: { وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير لَشَدِيدٌ } الخير المال من قوله تعالى: { إِن تَرَكَ خَيْرًا } [ البقرة: 180 ] وقوله: { وَإِذَا مَسَّهُ الخير مَنُوعًا } [ المعارج: 21 ] وهذا لأن الناس يعدون المال فيما بينهم خيرًا كما أنه تعالى سمى ما ينال المجاهد من الجراح وأذى الحرب سوءًا في قوله: { لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوء } [ آل عمران: 174 ] والشديد البخيل الممسك ، يقال: فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد
ثم في التفسير وجوه أحدها: أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها: أن يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف ، تقول: هو شديد لهذا الأمر وقوي له ، وإذا كان مطيقًا له ضابطًا وثالثها: أراد إنه لحب الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها: قال الفراء: يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ، ويحب كونه محبًا له ، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني ، كما قال: