فهرس الكتاب

الصفحة 2964 من 8321

فيه مسائل:

المسألة الأولى: «الكاف» في قوله: { وكذلك } يوجب التشبيه ، وفيه قولان: الأول: وكما جعلنا في مكة صناديدها ليمكروا فيها ، كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها . الثاني: أنه معطوف على ماقبله ، أي كما زينا للكافرين أعمالهم ، كذلك جعلنا .

المسألة الثانية: الأكابر جمع الأكبر الذي هو اسم ، والآية على التقديم والتأخير تقديره: جعلنا مجرميها أكابر ، ولا يجوز أن يكون الأكابر مضافة ، فإنه لا يتم المعنى ، ويحتاج إلى إضمار المفعول الثاني للجعل ، لأنك إذا قلت: جعلت زيدًا ، وسكت ، لم يفد الكلام حتى تقول رئيسًا أو ذليلًا أو ما أشبه ذلك ، لاقتضاء الجعل مفعولين ، ولأنك إذا أضفت الأكابر ، فقد أضفت الصفة إلى الموصوف ، وذلك لا يجوز عند البصريين .

المسألة الثالثة: صار تقدير الآية: جعلنا في كل قرية مجرميها أكابر ليمكروا فيها ، وذلك يقتضي أنه تعالى إنما جعلهم بهذه الصفة ، لأنه أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فهذا أيضًا يدل على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى .

أجاب الجبائي عنه: بأن حمل هذه اللام على لام العاقبة . وذكر غيره أنه تعالى لما لم يمنعهم عن المكر صار شبيهًا بما إذا أراد ذلك ، فجاء الكلام على سبيل التشبيه ، وهذا السؤال مع جوابه قد تكرر مرارًا خارجة عن الحد والحصر .

المسألة الرابعة: قال الزجاج: إنما جعل المجرمين أكابر ، لأنهم لأجل رياستهم أقدر على الغدر والمكر وترويج الأباطيل على الناس من غيرهم ، ولأن كثرة المال وقوة الجاه تحمل الإنسان على المبالغة في حفظهما ، وذلك الحفظ لا يتم إلا بجميع الأخلاق الذميمة من الغدر والمكر ، والكذب ، والغيبة ، والنميمة ، والأيمان الكاذبة ، ولو لم يكن للمال والجاه عيب سوى أن الله تعالى حكم بأنه إنما وصف بهذه الصفات الذميمة من كان له مال وجاه ، لكفى ذلك دليلًا على خساسة المال والجاه .

ثم قال تعالى: { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } والمراد منه ما ذكره الله تعالى في آية أخرى ، وهي قوله: { وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ } [ فاطر: 43 ] وقد ذكرنا حقيقة ذلك في أول سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { الله يَسْتَهْزِىء بِهِمْ } [ البقرة: 15 ] قالت المعتزلة: لا شك أن قوله: { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ } مذكور في معرض التهديد والزجر ، فلو كان ما قبل هذه الآية يدل على أنه تعالى أراد منهم أن يمكروا بالناس ، فكيف يليق بالرحيم الكريم الحكيم الحليم أن يريد منهم المكر ، ويخلق فيهم المكر ، ثم يهددهم عليه ويعاقبهم أشد العقاب عليه؟ واعلم أن معارضة هذا الكلام بالوجوه المشهورة قد ذكرناها مرارًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت