فهرس الكتاب

الصفحة 8141 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: وما أمروا وجهان: أحدهما: أن يكون المراد: { وَمَا أُمِرُواْ } في التوراة والإنجيل إلا بالدين الحنيفي ، فيكون المراد أنهم كانوا مأمورين بذلك إلا أنه تعالى لما أتبعه بقوله: { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } علمنا أن ذلك الحكم كما أنه كان مشروعًا في حقهم فهو مشروع في حقنا وثانيها: أن يكون المراد: وما أمر أهل الكتاب على لسان محمد A إلا بهذه الأشياء ، وهذا أولى لثلاثة أوجه: أحدها: أن الآية على هذا التقدير تفيد شرعًا جديدًا وحمل كلام الله على ما يكون أكثر فائدة أولى وثانيها: وهو أن ذكر محمد عليه السلام قد مر ههنا وهو قوله: { حتى تَأْتِيَهُمُ البينة } [ البينة: 1 ] وذكر سائر الأنبياء عليهم السلام لم يتقدم وثالثها: أنه تعالى ختم الآية بقوله: { وَذَلِكَ دِينُ القيمة } فحكم بكون ما هو متعلق هذه الآية دينًا قيمًا فوجب أن يكون شرعًا في حقنا سواء قلنا: بأنه شرع من قبلنا أو شرع جديد يكون هذا بيانًا لشرع محمد E وهذا قول مقاتل .

المسألة الثانية: في قوله: { إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } دقيقة وهي أن هذه اللام لام الغرض ، فلا يمكن حمله على ظاهره لأن كل من فعل فعلًا لغرض فهو ناقص لذاته مستكمل بذلك الغرض ، فلو فعل الله فعلًا لكان ناقصًا لذاته مستكملًا بالغير وهو محال ، لأن ذلك الغرض إن كان قديمًا لزم من قدمه قدم الفعل ، وإن كان محدثًا افتقر إلى غرض آخر فلزم التسلسل وهو محال ولأنه إن عجز عن تحصيل ذلك الغرض إلا بتلك الواسطة فهو عاجز ، وإن كان قادرًا عليه كان توسيط تلك الواسطة عبثًا ، فثبت أنه لا يمكن حمله على ظاهره فلا بد فيه من التأويل . ثم قال الفراء: العرب تجعل اللام في موضع أن في الأمر والإرادة كثيرًا ، من ذلك قوله تعالى: { يُرِيدُ الله لِيُبَيّنَ لَكُمْ } [ النساء: 26 ] { يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ } [ الصف: 8 ] وقال في الأمر: { وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ } [ الأنعام: 71 ] وهي في قراءة عبد الله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ أن يعبدوا الله } فثبت أن المراد: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له الدين . والإخلاص عبارة عن النية الخالصة ، والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة ، فقد دلت الآية على أن كل مأمور به فلا بد وأن يكون منوبًا ، ثم قالت الشافعية: الوضوء مأمور به في قوله تعالى: { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } [ المائدة: 6 ] ودلت هذه الآية على أن كل مأمور يجب أن يكون منويًا ، فيلزم من مجموع الآيتين وجوب كون الوضوء منويًا ، وأما المعتزلة فإنهم يوجبون تعليل أفعال الله وأحكامه بالأغراض ، لا جرم أجروا الآية على ظاهرها فقالوا معنى الآية: وما أمروا بشيء إلا لأجل أن يعبدوا الله ، والإستدلال على هذا القول أيضًا قوي ، لأن التقدير وما أمروا بشيء إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين في ذلك الشيء ، وهذا أيضًا يقتضي اعتبار النية في جميع المأمورات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت