فهرس الكتاب

الصفحة 8142 من 8321

فإن قيل: النظر في معرفة الله مأمور به ويستحيل اعتبار النية فيه . لأن النية لا يمكن اعتبارها إلا بعد المعرفة ، فما كان قبل المعرفة لا يمكن اعتبار النية فيه . قلنا: هب أنه خص عموم الآية في هذه الصورة بحكم الدليل العقلي الذي ذكرتم فيبقى في الباقي حجة .

المسألة الثالثة: قوله: { أُمِرُواْ } مذكور بلفظ ما لم يسم فاعله وهو: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام } [ البقرة: 183 ] { كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص } [ البقرة: 178 ] قالوا: فيه وجوه أحدها: كأنه تعالى يقول العبادة شاقة ولا أريد مشقتك إرادة أصلية بل إرادتي لعبادتك كإرادة الوالدة لحجامتك ، ولهذا لما آل الأمر إلى الرحمة قال: { كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة } [ الأنعام: 54 ] ، { كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ الإيمان } [ المجادلة: 22 ] وذكر في الواقعات إذا أراد الأب من ابنه عملًا يقول له أولًا: ينبغي أن تفعل هذا ولا يأمره صريحًا ، لأنه ربما يرد عليه فتعظم جنايته ، فههنا أيضًا لم يصرح بالأمر لتخف جناية الراد وثانيها: أنا على القول بالحسن والقبح العقليين ، نقول: كأنه تعالى يقول: لست أنا الآمر للعبادة فقط ، بل عقلك أيضًا يأمرك لأن النهاية في التعظيم لمن أوصل إليك ( أن ) نهاية الإنعام واجبة في العقول .

المسألة الرابعة: اللام في قوله: { وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ الله } تدل على مذهب أهل السنة حيث قالوا: العبادة ما وجبت لكونها مفضية إلى ثواب الجنة ، أو إلى البعد عن عقاب النار ، بل لأجل أنك عبد وهو رب ، فلو لم يحصل في الدين ثواب ولا عقاب ألبتة ، ثم أمرك بالعبادة . وجبت لمحض العبودية ، وفيها أيضًا إشارة إلى أنه من عبد الله للثواب والعقاب ، فالمعبود في الحقيقة هو الثواب والعقاب ، والحق واسطة ، ونعم ما قيل: من آثر العرفان للعرفان فقد قال: بالثاني ومن آثر العرفان لا للعرفان ، بل للمعروف ، فقد خاض لجة الوصول .

المسألة الخامسة: العبادة هي التذلل ، ومنه طريق معبد أي مذلل ، ومن زعم أنها الطاعة فقد أخطأ ، لأن جماعة عبدوا الملائكة والمسيح والأصنام ، وما أطاعوهم ولكن في الشرع صارت اسمًا لكل طاعة الله ، أديت له على وجه التذلل والنهاية في التعظيم ، واعلم أن العبادة بهذا المعنى لا يستحقها إلا من يكون واحدًا في ذاته وصفاته الذاتية ، والفعلية ، فإن كان مثل لم يجز أن يصرف إليه النهاية في التعظيم ، ثم نقول: لا بد في كون الفعل عبادة من شيئين أحدهما: غاية التعظيم ، ولذلك قلنا: إن صلاة الصبي ليست بعبادة ، لأنه لا يعرف عظمة الله ، فلا يكون فعله في غاية التعظيم والثاني: أن يكون مأمورًا به ، ففعل اليهودي ليس بعبادة ، وإن تضمن نهاية التعظيم ، لأنه غير مأمور به ، والنكتة الوعظية فيه ، أن فعل الصبي ليس بعبادة لفقد التعظيم وفعل اليهودي ليس بعبادة لفقد الأمر ، فكيف يكون ركوعك الناقص عبادة ولا أمر ولا تعظيم؟ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت