ثم قال تعالى: { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الكعبين } .
اعلم أنه تعالى افتتح السورة بقوله { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود } [ المائدة: 1 ] وذلك لأنه حصل بين الرب وبين العبد عهد الربوبية وعهد العبودية ، فقوله { أَوْفُواْ بالعقود } طلب تعالى من عباده أن يفوا بعهد العبودية ، فكأنه قيل: إلهنا العهد نوعان: عهد الربوبية منك ، وعهد العبودية منا ، فأنت أولى بأن تقدم الوفاء بعهد الربوبية والإحسان . فقال تعالى: نعم أنا أوفي أولًا بعهد الربوبية والكرم ، ومعلوم أن منافع الدنيا محصورة في نوعين: لذات المطعم ، ولذات المنكح ، فاستقصى سبحانه في بيان ما يحل ويحرم من المطاعم والمناكح ، ولما كانت الحاجة إلى المطعوم فوق الحاجة إلى المنكوح ، لا جرم قدم بيان المطعوم على المنكوح ، وعند تمام هذا البيان كأنه يقول: قد وفيت بعهد الربوبية فيما يطلب في الدنيا من المنافع واللذات ، فاشتغل أنت في الدنيا بالوفاء بعهد العبودية ولما كان أعظم الطاعات بعد الإيمان الصلاة ، وكانت الصلاة لا يمكن إقامتها إلاّ بالطهارة ، لا جرم بدأ تعالى بذكر شرائط الوضوء فقال { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى المرافق } وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: أعلم أن المراد بقوله { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } ليس نفس القيام ، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه لو كان المراد ذلك لزم تأخير الوضوء عن الصلاة ، وأنه باطل بالإجماع . الثاني: أنهم أجمعوا على أنه لو غسل الأعضاء قبل الصلاة قاعدًا أو مضطجعًا لكان قد خرج عن العهدة ، بل المراد منه: إذا شمرتم للقيام إلى الصلاة وأردتم ذلك ، وهذا وإن كان مجازًا إلا أنه مشهور متعارف ، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الإرادة الجازمة سبب لحصول الفعل ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور . الثاني: قوله تعالى: { الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النساء } [ النساء: 34 ] وليس المراد منه القيام الذي هو الانتصاب ، يقال: فلان قائم بذلك الأمر ، قال تعالى: { قَائِمًَا بالقسط } [ آل عمران: 18 ] وليس المراد منه ألبتة الانتصاب ، بل المراد كونه مريدًا لذلك الفعل متهيئًا له مستعدًا لإدخاله في الوجود ، فكذا ههنا قوله { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة } معناه إذا أردتم أداء الصلاة والاشتغال بإقامتها .
المسألة الثانية: قال قوم: الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة ، وليس ذلك تكليفًا مستقلًا بنفسه ، واحتجوا بأن قوله { إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلاة فاغسلوا } جملة شرطية ، الشرط فيها القيام إلى الصلاة ، والجزاء الأمر بالغسل ، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عدم عند عدم الشرط ، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة . وقال آخرون: المقصود من الوضوء الطهارة ، والطهارة مقصودة بذاتها بدليل القرآن والخبر ، أما القرآن فقوله تعالى في آخر الآية { ولكن يُرِيدُ لِيُطَهّرَكُمْ } وأما الحديث فقوله E: