فهرس الكتاب

الصفحة 5707 من 8321

قوله تعالى: { أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ } لما صدر من الكفار الإنكار بالله عند إنكار وعد الله وعدم الخلف فيه كما قال تعالى: { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } [ الأعراف: 187 ] والإنكار بالحشر كما قال تعالى: { وَهُمْ عَنِ الأخرة هُمْ غافلون } [ الروم: 7 ] بين أن الغفلة وعدم العلم منهم بتقدير الله وإلا فأسباب التذكر حاصلة وهو ( أن ) أنفسهم لو تفكروا فيها لعلموا وحدانية الله وصدقوا بالحشر ، أما الوحدانية فلأن الله خلقهم على أحسن تقويم ، ولنذكر من حسن خلقهم جزأ من ألف ألف جزء وهو أن الله تعالى خلق للإنسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان أحدهما لدخول الطعام فيه ، والآخر لخروج الطعام منه ، فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرة ولا بالرشح ، وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجًا صالحًا ، ثم يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت المعدة عروقًا دقاقًا صلابًا كالمصفاة التي يصفى بها الشيء فينزل منها الصافي إلى الكبد وينصب الثفل إلى معى مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجهًا إلى الخروج ، وما يدخل في الكبد من العروق المذكورة يسمى الماساريقا بالعبرية ، والعبرية عربية مفسودة في الأكثر ، يقال لموسى ميشا وللاله إيل إلى غير ذلك ، فالماساريقا معناها ماساريق اشتمل عليه الكبد وأنضجه نضجًا آخر ، ويكون مع الغذاء المتوجه من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقق وينذرق في العروق الدقاق المذكورة ، وفي الكبد يستغني عن ذلك الماء فيتميز عنه ذلك الماء وينصب من جانب حدبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذي به الكلية وغيرها ، ويخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير ، ثم يتشعب ذلك النهر إلى جداول ، والجداول إلى سواق ، والسواقي إلى رواضع ويصل فيها إلى جميع البدن ، فهذه حكمة واحدة في خلق الإنسان ، وهذه كفاية في معرفة كون الله فاعلًا مختارًا قادرًا كاملًا عالمًا شاملًا علمه ، ومن يكون كذلك يكون واحدًا وإلا لكان عاجزًا عند إرادة شريكه ضد ما أراده . وأما دلالة الإنسان على الحشر فذلك لأنه إذا تفكر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال ، وأجزاءه مائلة إلى الانحلال فله فناء ضروري ، فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثًا ، وإليه أشار بقوله: { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثًا } [ المؤمنون: 115 ] وهذا ظاهر ، لأن من يفعل شيئًا للعبث فلو بالغ في إحكامه وإتقانه يضحك منه ، فإذا خلقه للبقاء ولا بقاء دون اللقاء فالآخرة لا بد منها ، ثم إنه تعالى ذكر بعد دليل الأنفس دليل الآفاق فقال: { مَّا خَلَقَ الله السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق وَأَجَلٍ مُّسَمًّى } فقوله: { إِلاَّ بالحق } إشارة إلى وجه دلالتها على الوحدانية ، وقد بينا ذلك في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت