فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 8321

أما قوله جل جلاله: { اهدنا الصراط المستقيم } فاعلم أنه عبارة عن طلب الهداية ، ولتحصيل الهداية طريقان: أحدهما: طلب المعرفة بالدليل والحجة ، والثاني: بتصفية الباطن والرياضة ، أما طرق الاستدلال فإنها غير متناهية لأنه لا ذرة من ذرات العالم الأعلى والأسفل إلا وتلك الذرة شاهدة بكمال إلهيته ، وبعزة عزته ، وبجلال صمديته ، كما قيل:

وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد

وتقريره: أن أجسام العالم متساوية في ماهية الجسمية ، ومختلفة في الصفات ، وهي الألوان والأمكنة والأحوال ، ويستحيل أن يكون اختصاص كل جسم بصفته المعينة لأجل الجسمية أو لوازم الجسمية ، وإلا لزم حصول الاستواء ، فوجب أن يكون ذلك لتخصيص مخصص وتدبير مدبر ، وذلك المخصص إن كان جسمًا عاد الكلام فيه ، وإن لم يكن جسمًا فهو المطلوب ، ثم ذلك الموجود إن لم يكن حيًا عالمًا قادرًا ، بل كان تأثيره بالفيض والطبع عاد الإلزام في وجوب الاستواء ، وإن كان حيًا عالمًا قادرًا فهو المطلوب ، إذا عرفت هذا فقد ظهر أن كل واحد من ذرات السموات والأرض شاهد صادق ، ومخبر ناطق ، بوجود الإله القادر الحكيم العليم ، وكان الشيخ الإمام الوالد ضياء الدين عمر C يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد أنواعًا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة ، وذلك لأن كل جوهر فرد فإنه يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ، ويمكن أيضًا اتصافه بصفات غير على البدل ، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم الرحيم ، فثبت بما ذكرنا أن هذا النوع من المباحث غير متناه . وأما تحصيل الهداية بطريق الرياضة والتصفية فذلك بحر لا ساحل له ، ولكل واحد من السائرين إلى الله تعالى منهج خاص ، ومشرب معين ، كما قال: { وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا } [ البقرة: 148 ] ولا وقوف للعقول على تلك الأسرار ، ولا خبر عند الأفهام من مبادىء ميادين تلك الأنوار ، والعارفون المحققون لحظوا فيها مباحث عميقة ، وأسرارًا دقيقة ، فلما ترقى إليها أفهام الأكثرين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت