فهرس الكتاب

الصفحة 2024 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عرفوا الله بالدليل وهو قوله: { إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض } [ آل عمران: 190 ] إلى قوله: { لأيات لأُوْلِى الألباب } [ آل عمران: 190 ] ثم حكى عنهم مواظبتهم على الذكر وهو قوله: { الذين يَذْكُرُونَ الله قياما } وعلى التفكر وهو قوله: { وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ السموات والأرض } ثم حكى عنهم أنهم أثنوا على الله تعالى وهو قولهم: { رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا باطلا سبحانك } [ آل عمران: 191 ] ثم حكى عنهم أنهم بعد الثناء اشتغلوا بالدعاء وهو من قولهم: { فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } [ آل عمران: 191 ] إلى قوله: { إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد } [ آل عمران: 194 ] بين في هذه الآية أنه استجاب دعاءهم فقال: { فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في الآية تنبيه على أن استجابة الدعاء مشروطة بهذه الأمور ، فلما كان حصول هذه الشرائط عزيزا ، لا جرم كان الشخص الذي يكون مجاب الدعاء عزيزا .

المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: يقال استجابه واستجاب له ، قال الشاعر:

وداع دعا يا من يجيب إلى الندا ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب

وقال تعالى: { ياأيها الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ } [ الأنفال: 34 ] .

المسألة الثالثة: أني لا أضيع: قرىء بالفتح ، والتقدير: بأني لا أضيع ، وبالكسر على إرادة القول ، وقرىء { لاَ أُضِيعُ } بالتشديد .

المسألة الرابعة: من: في قوله: { مّن ذِكْرِ } قيل للتبيين كقوله: { فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان } [ الحج: 30 ] وقيل: إنها مؤكدة للنفي بمعنى: عمل عامل منكم ذكر أو أنثى .

المسألة الخامسة: اعلم أنه ليس المراد أنه لا يضيع نفس العمل ، لأن العمل كلما وجد تلاشى وفنى ، بل المراد أنه لا يضيع ثواب العمل ، والاضاعة عبارة عن ترك الاثابة فقوله: { لاَ أُضِيعُ } نفي للنفي فيكون اثباتا ، فيصير المعنى: اني أوصل ثواب جميع أعمالهم اليكم ، اذا ثبت ما قلنا فالآية دالة على أن أحدا من المؤمنين لا يبقى في النار مخلدا ، والدليل عليه أنه بايمانه استحق ثوابا ، وبمعصيته استحق عقابا ، فلا بد من وصولهما اليه بحكم هذه الآية والجمع بينهما محال ، فاما أن يقدم الثواب ثم ينقله الى العقاب وهو باطل بالاجماع ، أو يقدم العقاب ثم ينقله الى الثواب وهو المطلوب .

المسألة السادسة: جمهور المفسرين فسروا الآية بأن معناها أنه تعالى قبل منهم أنه يجازيهم على أعمالهم وطاعاتهم ويوصل ثواب تلك الاعمال اليهم .

فان قيل: القوم أولا طلبوا غفران الذنوب ، وثانيا إعطاء الثواب فقوله: { أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } إجابة لهم في إعطاء الثواب ، فأين الإجابة في طلب غفران الذنوب؟

قلنا: إنه لا يلزم من إسقاط العذاب حصول الثواب ، لكن يلزم من حصول الثواب سقوط العقاب فصار قوله: { أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } اجابة لدعائهم في المطلوبين . وعندي في الآية وجه آخر: وهو أن المراد من قوله: { أَنّى لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مّنْكُمْ } أني لا أضيع دعاءكم ، وعدم إضاعة الدعاء عبارة عن إجابة الدعاء ، فكان المراد منه أنه حصلت اجابة دعائكم في كل ما طلبتموه وسألتموه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت