فهرس الكتاب

الصفحة 3073 من 8321

اعلم أن في الناس من حمل الفحشاء على ما كانوا يحرمونه من البحيرة والسائبة وغيرهما ، وفيهم من حمله على أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة الرجال والنساء ، والأولى أن يحكم بالتعميم ، والفحشاء عبارة عن كل معصية كبيرة ، فيدخل فيه جميع الكبائر ، واعلم أنه ليس المراد منه أن القرم كانوا يسلمون كون تلك الأفعال فواحش . ثم كانوا يزعمون أن الله أمرهم بها ، فإن ذلك لا يقوله عاقل . بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها فواحش ، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات ، وإن الله أمرهم بها ، ثم إنه تعالى حكى عنهم أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك الفواحش بأمرين . أحدهما: أنا وجدنا عليها آباءنا . والثاني: أن الله أمرنا بها .

أما الحجة الأولى: فما ذكر الله عنها جوابًا ، لأنها إشارة إلى محض التقليد ، وقد تقرر في عقل كل أحد أنه طريقة فاسدة ، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة ، فلو كان التقليد طريقًا حقًا للزم الحكم بكون كل واحد من المتناقضين حقًا ومعلوم أنه باطل ، ولما كان فساد هذا الطريق ظاهرًا جليًا لكل أحد لم يذكر الله تعالى الجواب عنه .

وأما الحجة الثانية: وهي قولهم: { والله أَمَرَنَا بِهَا } فقد أجاب عنه بقوله تعالى: { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } والمعنى أنه ثبت على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال منكرة قبيحة ، فكيف يمكن القول بأن الله تعالى أمرنا بها؟ وأقول للمعتزلة أن يحتجوا بهذه الآية على أن الشيء إنما يقبح لوجه عائد إليه ، ثم إنه تعالى نهى عنه لكونه مشتملًا على ذلك الوجه ، لأن قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } إشارة إلى أنه لما كان ذلك موصوفًا في نفسه بكونه من الفحشاء امتنع أن يأمر الله به ، وهذا يقتضي أن يكون كونه في نفسه من الفحشاء مغايرًا لتعلق الأمر والنهب به ، وذلك يفيد المطلوب .

وجوابه: يحتمل أنه لما ثبت بالاستقراء أنه تعالى لا يأمر إلا بما يكون مصلحة للعباد ، ولا ينهي إلا عما يكون مفسده لهم ، فقد صح هذا التعليل لهذا المعنى . والله أعلم .

ثم قال تعالى: { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه بحثان:

البحث الأول: المراد منه أن يقال: إنكم تقولون إن الله أمركم بهذه الأفعال المخصوصة فعلمكم بأن الله أمركم بها حصل لأنكم سمعتم كلام الله تعالى ابتداء من غير واسطة ، أو عرفتم ذلك بطريق الوحي إلى الأنبياء؟

أما الأول: فمعلوم الفساد بالضرورة .

وأما الثاني: فباطل على قولكم ، لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء على الإطلاق ، لأن هذه المناظرة وقعت مع كفار قريش ، وهم كانوا ينكرون أصل النبوة ، وإذا كان الأمر كذلك ، فلا طريق لهم إلى تحصيل العلم بأحكام الله تعالى ، فكان قولهم أن الله أمرنا بها قولًا على الله تعالى بما لا يكون معلومًا . وإنه باطل .

البحث الثاني: نفاة القياس قالوا: الحكم المثبت بالقياس مظنون وغير معلوم ، وما لا يكون معلومًا لم يجز القول به لقوله تعالى في معرض الذم والسخرية: { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وجواب مثبتي القياس عن أمثال هذه الدلالة قد ذكرناه مرارًا . والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت