فهرس الكتاب

الصفحة 3549 من 8321

اعلم أن هذا نوع آخر من كيد المنافقين ومن خبث بواطنهم ، والمعنى: إن تصبك في بعض الغزوات حسنة سواء كان ظفرًا ، أو كان غنيمة ، أو كان انقيادًا لبعض ملوك الأطراف ، يسؤهم ذلك ، وإن تصبك مصيبة من نكبة وشدة ومصيبة ومكروه يفرحوا به ، ويقولوا قد أخذنا أمرنا الذي نحن مشهورون به ، وهو الحذر والتيقظ والعمل بالحزم ، من قبل أي قبل ما وقع وتولوا عن مقام التحدث بذلك ، والاجتماع له إلى أهاليهم ، وهم فرحون مسرورون ، ونقل عن ابن عباس أن الحسنة في يوم بدر ، والمصيبة في يوم أحد ، فإن ثبت بخبر أن هذا هو المراد وجب المصير إليه ، وإلا فالواجب حمله على كل حسنة ، وعلى كل مصيبة ، إذ المعلوم من حال المنافقين أنهم في كل حسنة وعند كل مصيبة بالوصف الذي ذكره الله ههنا .

ثم قال تعالى: { قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } وفيه أقوال:

القول الأول: أن المعنى أنه لن يصيبنا خير ولا شر ، ولا خوف ولا رجاء ، ولا شدة ولا رخاء ، إلا وهو مقدرعلينا مكتوب عند الله ، وكونه مكتوبًا عند الله يدل على كونه معلومًا عند الله مقضيًا به عند الله ، فإن ما سواه ممكن ، والممكن لا يترجح إلا بترجيح الواجب ، والممكنات بأسرها منتهية إلى قضائه وقدره .

واعلم أن أصحابنا يتمسكون بهذه الآية في أن قضاء الله شامل لكل المحدثات وأن تغير الشيء عما قضى الله به محال ، وتقرير هذا الكلام من وجوه: أحدها: أن الموجود إما واجب وإما ممكن ، والممكن يمتنع أن يترجح أحد طرفيه على الآخر لنفسه ، فوجب انتهاؤه إلى ترجيح الواجب لذاته ، وما سواه فواجب بإيجاده وتأثيره وتكوينه . ولهذا المعنى قال النبي عليه السلام: « جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة » وثانيها: أن الله تعالى لما كتب جميع الأحوال في اللوح المحفوظ فقد علمها وحكم بها ، فلو وقع الأمر بخلافها لزم انقلاب العلم جهلًا والحكم الصدق كذبًا ، وكل ذلك محال ، وقد أطنبنا في شرح هذه المناظرة في تفسير قوله تعالى: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [ البقرة: 6 ] .

فإن قيل: إنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام تسلية للرسول في فرحهم بحزنه ومكارهه فأي تعلق لهذا المذهب بذلك؟

قلنا: السبب فيه قوله A: « من علم سر الله في القدر هانت عليه المصائب » فإنه إذا علم الإنسان أن الذي وقع امتنع أن لا يقع ، زالت المنازعة عن النفس وحصل الرضا به .

القول الثاني: في تفسير هذه الآية أن يكون المعنى { لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا } أي في عاقبة أمرنا من الظفر بالعدو والاستيلاء عليهم ، والمقصود أن يظهر للمنافقين أن أحوال الرسول والمسلمين وإن كانت مختلفة في السرور والغم ، إلا أن في العاقبة الدولة لهم والفتح والنصر والظفر من جانبهم ، فيكون ذلك اغتياظًا للمنافقين وردًا عليهم في ذلك الفرح .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت