فهرس الكتاب

الصفحة 2210 من 8321

وجه النظم هو أنه تعالى بين أن في الآخرة لا يجري على أحد ظلم ، وأنه تعالى يجازي المحسن على إحسانه ويزيده على قدر حقه ، فبين تعالى في هذه الآية أن ذلك يجري بشهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق ، لتكون الحجة على المسىء أبلغ ، والتبكيت له أعظم وحسرته أشد ، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول وأظهر الطاعة أعظم ، ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم: { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ووعدًا للمطيعين الذين قال الله فيهم: { وَإِن تَكُ حَسَنَةً يضاعفها } [ النساء: 40 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: روي أن النبي A قال لابن مسعود: « إقرأ القرآن علي » قال: فقلت يا رسول الله أنت الذي علمتنيه فقال: « أحب أن أسمعه من غيري » قال ابن مسعود: فافتتحت سورة النساء ، فلما انتهيت إلى هذه الآية بكى الرسول A ، قال ابن مسعود فأمسكت عن القراءة . وذكر السدي أن أمة محمد A يشهدون للرسل بالبلاغ ، والرسول A يشهد لأمته بالتصديق ، فلهذا قال: { جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة: 143 ] وحكي عن عيسى عليه السلام أنه قال: { وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ } [ المائدة: 117 ] .

المسألة الثانية: من عادة العرب أنهم يقولون في الشيء الذي يتوقعونه: كيف بك إذا كان كذا وكذا ، وإذا فعل فلان كذا ، وإذا جاء وقت كذا ، فمعنى هذا الكلام: كيف ترون يوم القيامة إذا استشهد الله على كل امة برسولها ، واستشهدك على هؤلاء ، يعني قومه المخاطبين بالقرآن الذين شاهدهم وعرف أحوالهم . ثم إن أهل كل عصر يشهدون على غيرهم ممن شاهدوا أحوالهم ، وعلى هذا الوجه قال عيسى عليه السلام: « وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم » . ثم انه تعالى وصف ذلك اليوم فقال: { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول لَوْ تسوى بِهِمُ االأرض وَلاَ يَكْتُمُونَ الله حَدِيثًا } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول } يقتضي كون عصيان الرسول مغايرا للكفر . لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز ، فوجب حمل عصيان الرسول على المعاصي المغايرة للكفر ، إذا ثبت هذا فنقول: الآية دالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الاسلام ، وأنهم كما يعاقبون يوم القيامة على الكفر فيعاقبون أيضا على تلك المعاصي . لأنه لو لم يكن لتلك المعصية أثر في هذا المعنى لما كان في ذكر معصيتهم في هذا الموضع أثر .

المسألة الثانية: قرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو { تسوى } مضمومة التاء خفيفة السين على ما لم يسم فاعله ، وقرأ نافع وابن عامر { تسوى } مفتوحة التاء مشددة السين بمعنى: تتسوى ، فأدغم التاء في السين لقربها منها ، ولا يكره اجتماع التشديدين في هذه القراءة لأن لها نظائر في التنزيل كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت