فهرس الكتاب

الصفحة 6208 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى في أول السورة أن محمدًا A لما دعا الناس إلى أنه لا إله إلا الله واحد ، وإلى أنه رسول مبين من عند الله ، وإلى أن القول بالقيامة حق ، فأولئك الكفار أظهروا السفاهة وقالوا إنه ساحر كذاب واستهزؤا بقوله ، ثم إنه تعالى ذكر قصص الأنبياء لوجهين الأول: ليصير ذلك حاملًا لمحمد A على التأسي بالأنبياء عليهم السلام في الصبر على سفاهة القوم والثاني: ليصير ذلك رادعًا للكفار على الإصرار على الكفر والسفاهة وداعيًا إلى قبول الإيمان ، ولما تمم الله تعالى هذه البيانات عاد إلى تقرير المطالب المذكورة في أول السورة وهي تقدير التوحيد والنبوة والبعث ، فقال قل يا محمد إنما أنا منذر ولا بد من الإقرار بأنه ما من إله إلا الله الواحد القهار ، فإن الترتيب الصحيح أن تذكر شبهات الخصوم أولًا ويجاب عنها ثم نذكر عقيبها الدلائل الدالة على صحة المطلوب ، فكذا ههنا أجاب الله تعالى عن شبهتهم ونبه على فساد كلماتهم ، ثم ذكر عقيبه ما يدل على صحة هذه المطالب ، لأن إزالة ما لا ينبغي مقدمة على إثبات ما ينبغي ، وغسل اللوح من النقوش الفاسدة مقدم على كتب النقوش الصحيحة فيه ، ومن نظر في هذا الترتيب اعترف بأن الكلام من أول السورة إلى آخرها قد جاء على أحسن وجوه الترتيب والنظم .

أما قوله: { قُلْ إِنَّمَا أَنَاْ مُنذِرٌ } يعني أبلغ أحوال عقاب من أنكر التوحيد والنبوة والمعاد ، وأحوال ثواب من أقربها ، وكما بدأ في أول السورة بأدلة التوحيد حيث حكى عنهم أنهم قالوا { أَجَعَلَ الآلهة إلها واحدا } [ ص: 5 ] فكذلك بدأ ههنا بتقرير التوحيد فقال: { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار } وفي هذه الكلمة إشارة إلى الدليل الدال على كونه منزهًا عن الشريك والنظير ، وبيانه أن الذي يجعل شريكًا له في الإلهية ، إما أن يكون موجودًا قادرًا على الإطلاق على التصرف في العالم أو لا يكون كذلك ، بل يكون جمادًا عاجزًا والأول: باطل لأنه لو كان شريكه قادرًا على الإطلاق لم يكن هو قادرًا قاهرًا ، لأن بتقدير أن يريد هو شيئًا ويريد شريكه ضد ذلك الشيء لم يكن حصول أحد الأمرين أولى من الآخر ، فيفضي إلى اندفاع كل واحد منهما بالآخر ، وحينئذ لا يكون قادرًا قاهرًا بل كان عاجزًا ضعيفًا ، والعاجز لا يصلح للإلهية ، فقوله: { إلا aالله الواحد القهار } إشارة إلى أن كونه قهارًا يدل على كونه واحدًا وأما الثاني: وهو أن يقال إن الذي جعل شريكًا له لا يقدر على شيء ألبتة مثل هذه الأوثان ، فهذا أيضًا فاسد لأن صريح العقل يحكم بأن عبادة الإله القادر القاهر أولى من عبادة الجماد الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا فقوله: { وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار } يدل على هذه الدلائل ، واعلم أن كونه سبحانه قهارًا مشعر بالترهيب والتخويف ، فلما ذكر ذلك أردفه بما يدل على الرجاء والترغيب فقال: { رَبّ السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا العزيز الغفار } فكونه ربًا مشعر بالتربية والإحسان والكرم والجود ، وكونه غفارًا مشعر بالترغيب ، وهذا الموجود هو الذي تجب عبادته ، لأنه هو الذي يخشى عقابه ويرجى فضله وثوابه . ونذكر طريقة أخرى في تفسير هذه الآيات ، فنقول إنه تعالى ذكر من صفاته في هذا الموضع خمسة الواحد والقهار والرب والعزيز والغفار ، أما كونه واحدًا فهو الذي وقع الخلاف فيه بين أهل الحق وبين المشركين واستدل تعالى على كونه واحدًا بكونه قهارًا وقد بينا وجه هذه الدلالة إلا أن كونه قهارًا وإن دل على إثبات الوحدانية إلا أنه يوجب الخوف الشديد فأردفه تعالى بذكر صفات ثلاثة دالة على الرحمة والفضل والكرم أولها: كونه ربًا للسموات والأرض وما بينهما وهذا إنما تتم معرفته بالنظر في آثار حكمة الله تعالى في خلق السموات والأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة ، وذلك بحر لا ساحل له فإذا تأملت في آثار حكمته ورحمته في خلق هذه الأشياء عرفت حينئذ تربيته للكل وذلك يفيد الرجاء العظيم وثانيها: كونه عزيزًا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومربي وكريم إلا أنه غير قادر على كل المقدورات ، فأجاب عنه بأنه عزيز أي قادر على كل الممكنات فهو يغلب الكل ولا يغلبه شيء وثالثها: كونه غفارًا والفائدة في ذكره أن لقائل أن يقول هب أنه رب ومحسن ولكنه يكون كذلك في حق المطيعين المخلصين في العبادة ، فأجاب عنه بأن من بقي على الكفر سبعين سنة ثم تاب فإني أزيل اسمه عن ديوان المذنبين وأستر عليه بفضلي ورحمتي جميع ذنوبه وأوصله إلى درجات الأبرار ، واعلم أنه تعالى لما بين ذلك قال: { قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ } وهذا النبأ العظيم يحتمل وجوهًا فيمكن أن يكون المراد أن القول بأن الإله واحد نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن القول بالنبوة نبأ عظيم ، ويمكن أن يقال المراد أن القول بإثبات الحشر والنشر والقيامة نبأ عظيم ، وذلك لأن هذه المطالب الثلاثة كانت مذكورة في أول السورة ولأجلها أنجز الكلام إلى كل ما سبق ذكره ، ويمكن أيضًا أن يكون المراد كون القرآن معجزًا لأن هذا أيضًا قد تقدم ذكره في قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت