فهرس الكتاب

الصفحة 6136 من 8321

واعلم أن إبراهيم عليه السلام لما أورد عليهم هذه الحجة القوية ولم يقدروا على الجواب عدلوا إلى طريق الإيذاء فقالوا: ابنوا له بنيانًا واعلم أن كيفية ذلك البناء لا يدل عليها لفظ القرآن ، قال ابن عباس: بنو حائطًا من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعًا وعرضه عشرون ذراعًا وملأوه نارًا فطرحوه فيها ، وذلك هو قوله تعالى: { فَأَلْقُوهُ فِى الجحيم } وهي النار العظيمة ، قال الزجاج: كل نار بعضها فوق بعض فهي جحيم ، والألف واللام في الجحيم يدل على النهاية والمعنى في جحيمه ، أي في جحيم ذلك البنيان ، ثم قال تعالى: { فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْدًا فجعلناهم الأسفلين } والمعنى أن في وقت المحاجة حصلت الغلبة له ، وعندما ألقوه في النار صرف الله عنه ضرر النار ، فصار هو الغالب عليهم . واعلم أنه لما انقضت هذه الواقعة قال إبراهيم: { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى سيهدين } ونظير هذه الآية قوله تعالى: { وقال إني مهاجر إلى ربي } [ العنكبوت: 26 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: دلت هذه الآية على أن الموضع الذي تكثر فيه الأعداء تجب مهاجرته ، وذلك لأن إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه ، مع أن الله سبحانه خصه بأعظم أنواع النصرة ، لما أحس منهم بالعداوة الشديدة هاجر من تلك الديار ، فلأن يجب ذلك على الغير كان أولى .

المسألة الثانية: في قوله { إِنّى ذَاهِبٌ إلى رَبّى } قولان الأول: المراد منه مفارقة تلك الديار ، والمعنى إني ذاهب إلى مواضع دين ربي والثول الثاني: قال الكلبي: ذاهب بعبادتي إلى ربي ، فعلى القول الأول المراد بالذهاب إلى الرب هو الهجرة من الديار ، وبه اقتدى موسى حيث قال: { كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } [ الشعراء: 62 ] وعلى القول الثاني المراد رعاية أحوال القلوب ، وهو أن لا يأتي بشيء من الأعمال إلا لله تعالى ، كما قال: { وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السموات والأرض } [ الأنعام: 79 ] قيل إن القول الأول أولى ، لأن المقصود من هذه الآية بيان مهاجرته إلى أرض الشأم ، وأيضًا يبعد حمله على الهداية في الدين ، لأنه كان على الدين في ذلك الوقت إلا أن يحمل ذلك على الثبات عليه ، أو يحمل ذلك على الاهتداء إلى الدرجات العالية والمراتب الرفيعة في أمر الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت