« إن كان يمنعك العار فأجبني في هذا الوقت واسكت ، فقال: لا أومن بك حتى يؤمن بك هذا الجدي ، فقال E للجدي: من أنا؟ فقال رسول الله: وأطلق لسانه يثني عليه ، فاستولى الحسد على أبي لهب ، فأخذ يدي الجدي ومزقه وقال: تبًا لك أثر فيك السحر ، فقال الجدي: بل تبًا لك » فنزلت السورة على وفق ذلك: تبت يدا أبى لهب لتمزيقه يدي الجدي وخامسها: قال محمد بن إسحق: يروى أن أبا لهب كان يقول: يعدني محمد أشياء ، لا أرى أنها كائنة يزعم أنها بعد الموت ، فلم يضع في يدي من ذلك شيئًا ، ثم ينفخ في يديه ويقول: تبًا لكما ما أرى فيكما شيئًا ، فنزلت السورة .
أما قوله تعالى: { وَتَبَّ } ففيه وجوه أحدها: أنه أخرج الأول مخرج الدعاء عليه كقوله: { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } [ عبس: 17 ] والثاني مخرج الخبر أي كان ذلك وحصل ، ويؤيده قراءة ابن مسعود وقد تب وثانيها: كل واحد منهما إخبار ولكن أراد بالأول هلاك عمله ، وبالثاني هلاك نفسه ووجهه أن المرء إنما يسعى لمصلحة نفسه وعمله ، فأخبر الله تعالى أنه محروم من الأمرين وثالثها: { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } يعني ماله ومنه يقال: ذات اليد { وَتَبَّ } هو بنفسه كما يقال: { خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ } [ الزمر: 15 ] وهو قول أبي مسلم ورابعها: { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } يعني نفسه: { وَتَبَّ } يعني ولده عتبة على ما روي أن عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشأم مع أناس من قريش فلما هموا أن يرجعوا قال لهم عتبة: بلغوا محمدًا عني أني قد كفرت بالنجم إذا هوى ، وروي أنه قال ذلك في وجه رسول الله وتفل في وجهه ، وكان مبالغًا في عداوته ، فقال: « اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك فوقع الرعب في قلب عتبة وكان يحترز فسار ليلة من الليالي فلما كان قريبًا من الصبح ، فقال له أصحابه: هلكت الركاب فما زالوا به حتى نزل وهو مرعوب وأناخ الإبل حوله كالسرادق فسلط الله عليه الأسد وألقى السكينة على الإبل فجعل الأسد يتخلل حتى افترسه ومزقه ، » فإن قيل: نزول هذه السورة كان قبل هذه الوقعة ، وقوله: { وَتَبَّ } إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل عليه؟ قلنا: لأنه كان في معلومه تعالى أنه يحصل ذلك وخامسها: { تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ } حيث لم يعرف حق ربه { وَتَبَّ } حيث لم يعرف حق رسوله وفي الآية سؤالات:
السؤال الأول: لماذا كناه مع أنه كالكذب إذ لم يكن له ولد اسمه لهب ، وأيضًا فالتكنية من باب التعظيم؟ والجواب: عن الأول أن التكنية قد تكون اسمًا ، ويؤيده قراءة من قرأ ( تبت يدا أبو لهب ) كما يقال: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان ، فإن هؤلاء أسماؤهم كناهم ، وأما معنى التعظيم فأجيب عنه من وجوه أحدها: أنه لما كان اسمًا خرج عن إفادة التعظيم والثاني: أنه كان اسمه عبد العزي فعدل عنه إلى كنيته والثالث: أنه لما كان من أهل النار ومآله إلى نار ذات لهب وافقت حاله كنيته ، فكان جديرًا بأن يذكر بها ، ويقال أبو لهب: كما يقال: أبو الشر للشرير وأبو الخير للخير الرابع: كنى بذلك لتلهب وجنتيه وإشراقهما ، فيجوز أن يذكر بذلك تهكمًا به واحتقارًا له .