فإن قالوا: إن القوم قالوا: { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ } .
فجوابه أن يقال: ليس بي ضلال ، فلم ترك هذا الكلام ، وقال: ليس بي ضلالة؟
قلت: لأن قوله: { لَيْسَ بِى ضلالة } أي ليس بي نوع من أنواع الضلالة ألبتة ، فكان هذا أبلغ في عموم السلب ، ثم إنه عليه السلام لما نفى عن نفسه العيب الذي وصفوه به ، ووصف نفسه بأشرف الصفات وأجلها ، وهو كونه رسولًا إلى الخلق من رب العالمين . ذكر ما هو المقصود من الرسالة ، وهو أمران: الأول: تبليغ الرسالة . والثاني: تقرير النصيحة . فقال: { أُبَلِغُكُمْ رسالات رَبّى وَأَنصَحُ لَكُمْ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو { أُبَلّغُكُمْ } بالتخفيف ، من أبلغ ، والباقون بالتشديد . قال الواحدي: وكلا الوجهين جاء في التنزيل ، فالتخفيف قوله: { فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ } [ هود: 57 ] والتشديد { فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } [ المائدة: 67 ] .
المسألة الثانية: الفرق بين تبليغ الرسالة وبين النصيحة هو أن تبليغ الرسالة معناه: أن يعرفهم أنواع تكاليف الله وأقسام أوامره ونواهيه ، وأما النصيحة: فهو أنه يرغبه في الطاعة ، ويحذره عن المعصية ، ويسعى في تقرير ذلك الترغيب والترهيب لأبلغ وجوه ، وقوله: { رسالات رَبّى } يدل على أنه تعالى حمله أنواعًا كثيرة من الرسالة . وهي أقسام التكاليف من الأوامر والنواهي ، وشرح مقادير الثواب والعقاب في الآخرة ، ومقادير الحدود والزواجر في الدنيا ، وقوله: { وَأَنصَحُ لَكُمْ } قال الفراء: لا تكاد العرب تقول: نصحتك ، إنما تقول: نصحت لك ، ويجوز أيضًا نصحتك . قال النابغة:
نصحت بني عوف فلم يتقبلوا ... رسولي ولم تنجح لديهم رسائلي
وحقيقة النصح الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه ، والمعنى: أني أبلغ إليكم تكاليف الله ، ثم أرشدكم إلى الأصوب الأصلح ، وأدعوكم إلى ما دعاني ، وأحب إليكم ما أحبه لنفسي .
ثم قال: { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه وجوه: الأول: واعلم أنكم إن عصيتم أمره عاقبكم بالطوفان . الثاني: واعلم أنه يعاقبكم في الآخرة عقابًا شديدًا خارجًا عما تتصوره عقولكم . الثالث: يجوز أن يكون المراد: واعلم من توحيد الله وصفات جلاله ما لا تعلمون ويكون المقصود من ذكر هذا الكلام: حمل القوم على أن يرجعوا إليه في طلب تلك العلوم .