فهرس الكتاب

الصفحة 3782 من 8321

الحجة الثانية: أن كتب الله المنزلة دلت على مقدم محمد عليه السلام ، على ما استقصينا في تقريره في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: { وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } [ البقرة: 40 ] وإذا كان الأمر كذلك كان مجيء محمد عليه السلام تصديقًا لما في تلك الكتب ، من البشارة بمجيئه A ، فكان هذا عبارة عن تصديق الذي بين يديه .

الحجة الثالثة: أنه عليه السلام أخبر في القرآن عن الغيوب الكثيرة في المستقبل ، ووقعت مطابقة لذلك الخبر ، كقوله تعالى: { الم غُلِبَتِ الروم } [ الروم: 1 ، 2 ] الآية ، وكقوله تعالى: { لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرؤيا بالحق } [ الفتح: 27 ] وكقوله: { وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الارض } [ النور: 55 ] وذلك يدل على أن الإخبار عن هذه الغيوب المستقبلة ، إنما حصل بالوحي من الله تعالى ، فكان ذلك عبارة عن تصديق الذي بين يديه ، فالوجهان الأولان: إخبار عن الغيوب الماضية والوجه الثالث: إخبار عن الغيوب المستقبلة ، ومجموعها عبارة عن تصديق الذي بين يديه .

النوع الثاني: من الدلائل المذكورة في هذه الآية قوله تعالى: { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن القرآن معجز من أي الوجوه؟ فقال بعضهم: إنه معجز لاشتماله على الإخبار عن الغيوب الماضية والمستقبلة ، وهذا هو المراد من قوله: { تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } ومنهم من قال: إنه معجز لاشتماله على العلوم الكثيرة ، وإليه الإشارة بقوله: { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } وتحقيق الكلام في هذا الباب أن العلوم إما أن تكون دينية أو ليست دينية ، ولا شك أن القسم الأول أرفع حالًا وأعظم شأنًا وأكمل درجة من القسم الثاني . وأما العلوم الدينية ، فإما أن تكون علم العقائد والأديان ، وإما أن تكون علم الأعمال . أما علم العقائد والأديان فهو عبارة عن معرفة الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر . أما معرفة الله تعالى ، فهي عبارة عن معرفة ذاته ومعرفة صفات جلاله ، ومعرفة صفات إكرامه ، ومعرفة أفعاله ، ومعرفة أحكامه ، ومعرفة أسمائه والقرآن مشتمل على دلائل هذه المسائل وتفاريعها وتفاصيلها على وجه لا يساويه شيء من الكتب ، بل لا يقرب منه شيء من المصنفات . وأما علم الأعمال فهو إما أن يكون عبارة عن علم التكاليف المتعلقة بالظواهر وهو علم الفقه . ومعلوم أن جميع الفقهاء إنما استنبطوا مباحثهم من القرآن ، وإما أن يكون علمًا بتصفية الباطن أو رياضة القلوب . وقد حصل في القرآن من مباحث هذا العلم ما لا يكاد يوجد في غيره ، كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت