{ خُذِ العفو وَأْمُرْ بالعرف وَأَعْرِض عَنِ الجاهلين } [ الأعراف: 199 ] وقوله: { إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَآء ذِى القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغى } [ النمل: 90 ] فثبت أن القرآن مشتمل على تفاصيل جميع العلوم الشريفة ، عقليها ونقليها ، اشتمالًا يمتنع حصوله في سائر الكتب فكان ذلك معجزًا ، وإليه الإشارة بقوله: { وَتَفْصِيلَ الكتاب } .
أما قوله: { لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ العالمين } فتقريره: أن الكتاب الطويل المشتمل على هذه العلوم الكثيرة لا بد وأن يشتمل على نوع من أنواع التناقض ، وحيث خلي هذا الكتاب عنه ، علمنا أنه من عند الله وبوحيه وتنزيله ، ونظيره قوله تعالى: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا } [ النساء: 82 ] .
واعلم أنه تعالى لما ذكر في أول هذه الآية أن هذا القرآن لا يليق بحاله وصفته أن يكون كلامًا مفترى على الله تعالى ، وأقام عليه هذين النوعين من الدلائل المذكورة ، عاد مرة أخرى بلفظ الاستفهام على سبيل الإنكار ، فقال: { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } ثم إنه تعالى ذكر حجة أخرى على إبطال هذا القول ، فقال: { قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وادعوا مَنِ استطعتم مّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين } وهذه الحجة بالغنا في تقريرها في تفسير قوله تعالى في سورة البقرة: { وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله إِن كُنتُمْ صادقين } [ البقرة: 23 ] وههنا سؤالات:
السؤال الأول: لم قال في سورة البقرة: { مّن مّثْلِهِ } وقال ههنا: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } .
والجواب: أن محمدًا عليه السلام كان رجلًا أميًا ، لم يتلمذ لأحد ولم يطالع كتابًا فقال في سورة البقرة: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يعني فليأت إنسان يساوي محمدًا عليه السلام في عدم التلمذ وعدم مطالعة الكتب وعدم الاشتغال بالعلوم بسورة تساوي هذه السورة ، وحيث ظهر العجز ظهر المعجز . فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها معجزة ، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه السورة من إنسان مثل محمد عليه السلام في عدم التلمذ والتعلم معجز ، ثم إنه تعالى بين في هذه السورة أن تلك السورة في نفسها معجزة ، فإن الخلق وإن تلمذوا وتعلموا وطالعوا وتفكروا ، فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة سورة واحدة من هذه السور ، فلا جرم قال تعالى في هذه الآية: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب التحدي وإظهار المعجز .
السؤال الثاني: قوله: { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } هل يتناول جميع السور الصغار والكبار ، أو يختص بالسور الكبار .
الجواب: هذه الآية في سورة يونس وهي مكية ، فالمراد مثل هذه السورة ، لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه .
السؤال الثالث: أن المعتزلة تمسكوا بهذه الآية على أن القرآن مخلوق ، قالوا: إنه عليه السلام تحدى العرب بالقرآن ، والمراد من التحدي: أنه طلب منهم الإتيان بمثله ، فإذا عجزوا عنه ظهر كونه حجة من عند الله على صدقه ، وهذا إنما يمكن لو كان الإتيان بمثله صحيح الوجود في الجملة ولو كان قديمًا لكان الإتيان بمثل القديم محالًا في نفس الأمر ، فوجب أن لا يصح التحدي .