{ إِنَّكَ مَيّتٌ } [ الزمر: 30 ] وكما إذا قلت لمن تعده الإكرام والحباء: أنت مكرم محبو ، وهذا من الله أحسن ، لأن المستقبل عنده كالحاضر بسبب أنه لا يمنعه عن وعده مانع ورابعها: { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } أي وأنت غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه تعظيمًا منك لهذا البيت ، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر بالله ، وتكذيب الرسل وخامسها: أنه تعالى لما أقسم بهذا البلد دل ذلك على غاية فضل هذا البلد ، ثم قال: { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } أي وأنت من حل هذه البلدة المعظمة المكرمة ، وأهل هذا البلد يعرفون أصلك ونسبك وطهارتك وبراءتك طول عمرك من الأفعال القبيحة ، وهذا هو المراد بقوله تعالى: { هُوَ الذى بَعَثَ فِى الاميين رَسُولًا مّنْهُمْ } [ الجمعة: 2 ] وقال: { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ } [ التوبة: 128 ] وقوله: { فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مّن قَبْلِهِ } [ يونس: 16 ] فيكون الغرض شرح منصب رسول الله A بكونه من هذا البلد . أما قوله: { وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ } فاعلم أن هذا معطوف على قوله: { لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد } وقوله: { وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد } معترض بين المعطوف والمعطوف عليه ، وللمفسرين فيه وجوه أحدها: الولد آدم وما ولد ذريته ، أقسم بهم إذ هم من أعجب خلق الله على وجه الأرض ، لما فيهم من البيان والنطق والتدبير واستخراج العلوم وفيهم الأنبياء والدعاة إلى الله تعالى والأنصار لدينه ، وكل ما في الأرض مخلوق لهم وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها ، وقد قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } [ الإسراء: 70 ] فيكون القسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم ، لما ذكرنا من ظهور العجائب في هذه البنية والتركيب ، وقيل: هو قسم بآدم والصالحين من أولاده ، بناء على أن الطالحين كأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم . كما قال: { إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا } [ الفرقان: 44 ] ، { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ البقرة: 18 ] وثانيها: أن الولد إبراهيم وإسماعيل وما ولد محمد A وذلك لأنه أقسم بمكة وإبراهيم بانيها وإسماعيل ومحمد عليهما السلام سكانها ، وفائدة التنكير الإبهام المستقل بالمدح والتعجب ، وإنما قال: { وَمَا وَلَدَ } ولم يقل ومن ولد ، للفائدة الموجودة في قوله: { والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ } [ آل عمران: 36 ] أي بأي شيء وضعت يعني موضوعًا عجيب الشأن وثالثها: الولد إبراهيم وما ولد جميع ولد إبراهيم بحيث يحتمل العرب والعجم . فإن جملة ولد إبراهيم هم سكان البقاع الفاضلة من أرض الشام ومصر ، وبيت المقدس وأرض العرب ومنهم الروم لأنهم ولد عيصو بن إسحق ، ومنهم من خص ذلك بولد إبراهيم من العرب ومنهم من خص ذلك بالعرب المسلمين ، وإنما قلنا: إن هذا القسم واقع بولد إبراهيم المؤمنين لأنه قد شرع في التشهد أن يقال: «كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم» وهم المؤمنين ورابعها: روي عن ابن عباس أنه قال: الولد الذي يلد ، وما ولد الذي لا يلد ، فما ههنا يكون للنفي ، وعلى هذا لا بد عن إضمار الموصول أي ووالد ، والذي ما ولد ، وذلك لا يجوز عند البصريين وخامسها: يعني كل والد ومولود ، وهذا مناسب ، لأن حرمة الخلق كلهم داخل في هذا الكلام .