فهرس الكتاب

الصفحة 8024 من 8321

وأما قوله تعالى: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في الكبد وجوه أحدها: قال صاحب «الكشاف» : إن الكبد أصله من قولك كبد الرجل كبدًا فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت ، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة ، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده ، وقال آخرون: الكبد شدة الأمر ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد ، ومنه الكبد لأنه دم يغلظ ويشتد ، والفرق بين القولين أن الأول جعل اسم الكبد موضوعًا للكبد ، ثم اشتقت منه الشدة . وفي الثاني جعل اللفظ موضوعًا للشدة والغلظ ، ثم اشتق منه اسم العضو الوجه الثاني: أن الكبد هو الاستواء والاستقامة الوجه الثالث: أن الكبد شدة الخلق والقوة ، إذا عرفت هذا فنقول أما على الوجه الأول فيحتمل أن يكون المراد شدائد الدنيا فقط ، وأن يكون المراد شدائد التكاليف فقط ، وأن يكون المراد شدائد الآخرة فقط ، وأن يكون المراد كل ذلك .

أما الأول: فقوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ } أي خلقناه أطوارًا كلها شدة ومشقة ، تارة في بطن الأم ، ثم زمان الإرضاع ، ثم إذا بلغ ففي الكد في تحصيل المعاش ، ثم بعد ذلك الموت .

وأما الثاني: وهو الكبد في الدين ، فقال الحسن: يكابد الشكر على السراء ، والصبر على الضراء ، ويكابد المحن في أداء العبادات .

وأما الثالث: وهو الآخرة ، فالموت ومساءلة الملك وظلمة القبر ، ثم البعث والعرض على الله إلى أن يستقر به القرار إما في الجنة وإما في النار .

وأما الرابع: وهو يكون اللفظ محمولًا على الكل فهو الحق ، وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة ، بل ذاك يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم ، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع ، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد ، فليس للإنسان ، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر ، فهذا معنى قوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ } ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة ، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه أن يتألم ، فهذا لا يليق بالرحمة ، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب ، وإن كان مطلوبه أن يلتذ ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة ، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة ، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى ، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت