القول الثاني: في تفسير البشرى ، أنها عبارة عن محبة الناس له وعن ذكرهم إياه بالثناء الحسن عن أبي ذر . قال؟ قلت: يا رسول الله إن الرجل يعمل العمل لله ويحبه الناس . فقال: « تلك عاجل بشرى المؤمن »
واعلم أن المباحث العقلية تقوي هذا المعنى ، وذلك أن الكمال محبوب لذاته لا لغيره ، وكل من اتصف بصفة من صفات الكمال ، صار محبوبًا لكل أحد ، ولا كمال للعبد أعلى وأشرف من كونه مستغرق القلب بمعرفة الله ، مستغرق اللسان بذكر الله ، مستغرق الجوارح والأعضاء بعبودية الله ، فإذا ظهر عليه أمر من هذا الباب ، صارت الألسنة جارية بمدحه ، والقلوب مجبولة على حبه ، وكلما كانت هذه الصفات الشريفة أكثر ، كانت هذه المحبة أقوى ، وأيضًا فنور معرفة الله مخدوم بالذات ، ففي أي قلب حضر صار ذلك الإنسان مخدومًا بالطبع ألا ترى أن البهائم والسباع قد تكون أقوى من الإنسان ، ثم إنها إذا شاهدت الإنسان هابته وفرت منه وما ذاك إلا لمهابة النفس الناطقة .
والقول الثالث: في تفسير البشرى أنها عبارة عن حصول البشرى لهم عند الموت قال تعالى: { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة ألاتَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة } [ فصلت: 30 ] وأما البشرى في الآخرة فسلام الملائكة عليهم كما قال تعالى: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد: 23-24 ] وسلام الله عليهم كما قال: { سَلاَمٌ قَوْلًا مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } [ يس: 58 ] ويندرج في هذا الباب ما ذكره الله في هذا الكتاب الكريم من بياض وجوههم وإعطاء الصحائف بأيمانهم وما يلقون فيها من الأحوال السارة فكل ذلك من المبشرات .
والقول الرابع: إن ذلك عبارة عما بشر الله عباده المتقين في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه من جنته وكريم ثوابه . ودليله قوله: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان } [ التوبة: 21 ] .
واعلم أن لفظ البشارة مشتق من خبر سار يظهر أثره في بشرة الوجه ، فكل ما كان كذلك دخل في هذه الآية ، ومجموع الأمور المذكورة مشتركة في هذه الصفة ، فيكون الكل داخلًا فيه فكل ما يتعلق من هذه الوجوه بالدنيا فهو داخل تحت قوله: { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا } وكل ما يتعلق بالآخرة فهو داخل تحت قوله: { وَفِي الأخرة } ثم إنه تعالى لما ذكر صفة أولياء الله وشرح أحوالهم قال تعالى: { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } والمراد أنه لا خلف فيها ، والكلمة والقول سواء . ونظيره قوله: { مَا يُبَدَّلُ القول لَدَىَّ } [ ق: 29 ] وهذا أحد ما يقوي أن المراد بالبشرى وعد الله بالثواب والكرامة لمن أطاعه بقوله: { يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ ورضوان } ثم بين تعالى أن: { ذلك هُوَ الفوز العظيم } وهو كقوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا } [ الإنسان: 20 ] ثم قال القاضي: قوله: { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } يدل على أنها قابلة للتبديل ، وكل ما قبل العدم امتنع أن يكون قديمًا . ونظير هذا الاستدلال بحصول النسخ على أن حكم الله تعالى لا يكون قديمًا وقد سبق الكلام على أمثال هذه الوجوه .