فهرس الكتاب

الصفحة 3033 من 8321

المسألة الثانية: احتج القائلون بخلق القرآن بقوله: { كتاب أُنزِلَ إِلَيْكَ } قالوا إنه تعالى وصفه بكونه منزلًا ، والإنزال يقتضي الانتقال من حال إلى حال ، وذلك لا يليق بالقديم ، فدل على أنه مُحْدَث .

وجوابه: أن الموصوف بالإنزال والتنزيل على سبيل المجاز هو هذه الحروف ، ولا نزاعَ في كونها مُحْدَثة مخلوقة ، والله أعلم .

فإن قيل: فهب أن المراد منه الحروف ، إلا أن الحروف أعراض غير باقية ، بدليل أنها متوالية ، وكونها متوالية يشعر بعدم بقائها ، وإذا كان كذلك ، فالعَرَض الذي لا يبقى زمانين ، كيف يعقل وصفه بالنزول؟

والجواب: أنه تعالى أحدث هذه الرقوم والنقوش في اللوح المحفوظ ، ثم إن الملك يطالع تلك النقوش ، وينزل من السماء إلى الأرض ، ويعلم محمدًا تلك الحروف والكلمات ، فكان المراد بكون تلك الحروف نازلة ، هو أن مبلغها نزل من السماء إلى الأرض بها .

المسألة الثالثة: الذين أثبتوا لله مكانًا تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنّ كلمة «من» لابتداء الغاية . وكلمة «إلى» لانتهاء الغاية . فقوله: { أُنزِلَ إِلَيْكَ } يقتضي حُصول مَسافة مبدؤها هو الله تعالى وغايتها محمد ، وذلك يدل على أنه - تعالى- مختص بجهة فوق ، لأن النزول هو الانتقال من فوق إلى أسفل .

وجوابه: لما ثبت بالدلائل القاهرة أن المكان والجِهة على الله تعالى محال وجب حمله على التأويل الذي ذكرناه ، وهو أن الملك انتقل به من العلو إلى أسفل .

ثم قال تعالى: { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } وفي تفسير الحرج قولان: الأول: الحرج الضيق ، والمعنى: لا يضيق صدرك بسبب أن يكذبوك في التبليغ . والثاني: { فَلاَ يَكُن فِى صَدْرِكَ حَرَجٌ مّنْهُ } أي شك منه ، كقوله تعالى: { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } [ يونس: 94 ] وسمي الشك حرجًا ، لأن الشاك ضيق الصدر حرج الصدر ، كما أن المتيقن منشرح الصدر منفسح القلب .

ثم قال تعالى: { لِتُنذِرَ بِهِ } هذه «اللام» بماذا تتعلق؟ فيه أقوال: الأول: قال الفراء: إنه متعلق بقوله: { أَنزِلَ إِلَيْكَ } على التقديم والتأخير ، والتقدير: كتاب أنزل إليك لتنذر به فلا يكن في صدرك حرج منه .

فإن قيل: فما فائدة هذا التقديم والتأخير؟

قلنا: لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر ، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر ، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ . الثاني: قال ابن الأنباري: اللام ههنا بمعنى: كي . والتقدير: فلا يكن في صدرك شك كي تنذر غيرك . الثالث: قال صاحب «النظم» : اللام ههنا: بمعنى: أن . والتقدير: لا يضق صدرك ولا يضعف عن أن تنذر به ، والعرب تضع هذه اللام في موضع «أن» قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت