ثم قال: { أَنَّمَا تَدْعُونَنِى إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الأخرة } والمراد أن الأوثان التي تدعونني إلى عبادتها ليس لها دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وفي تفسير هذه الدعوة احتمالان .
الأول: أن المعنى ما تدعونني إلى عبادته ليس له دعوة إلى نفسه لأنه جمادات والجمادات لا تدعو أحدًا إلى عبادة نفسها وقوله { فِى الأخرة } يعني أنه تعالى إذا قلبها حيوانًا في الآخرة فإنها تتبرأ من هؤلاء العابدين .
والاحتمال الثاني: أن يكون قوله { لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِى الدنيا وَلاَ فِى الأخرة } معناه ليس له استجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، فسميت استجابة الدعوة بالدعوة إطلاقًا لاسم أحد المتضايفين على الآخر ، كقوله { وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا } [ الشورى: 40 ] ثم قال: { وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى الله } فبين أن هذه الأصنام لا فائدة فيها ألبتة ، ومع ذلك فإن مردنا إلى الله العالم بكل المعلومات القادر على كل الممكنات الغني عن كل الحاجات الذي لا يبدل القول لديه وما هو بظلام للعبيد ، فأي عاقل يجوز له عقله أن يشتغل بعبادة تلك الأشياء الباطلة وأن يعرض عن عبادة هذا الإله الذي لا بد وأن يكون مرده إليه؟ وقوله { وَأَنَّ المسرفين هُمْ أصحاب النار } قال قتادة يعني المشركين وقال مجاهد السفاكين للدماء والصحيح أنهم أسرفوا في معصية الله بالكلمة والكيفية ، أما الكمية فالدوام وأما الكيفية فبالعود والإصرار ، ولما بالغ مؤمن آل فرعون في هذه البيانات ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال: { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } وهذا كلام مبهم يوجب التخويف ويحتمل أن يكون المراد أن هذا الذكر يحصل في الدنيا وهو وقت الموت ، وأن يكون في القيامة وقت مشاهدة الأهوال وبالجملة فهو تحذير شديد ، ثم قال: { وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله } وهذا كلام من هدد بأمر يخافه فكأنهم خوفوه بالقتل وهو أيضًا خوفهم بقوله { فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ } ثم عول في دفع تخويفهم وكيدهم ومكرهم على فضل الله تعالى فقال: { وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله } وهو إنما تعلم هذه الطريقة من موسى عليه السلام ، فإن فرعون لما خوفه بالقتل رجع موسى في دفع ذلك الشر إلى الله حيث قال: { إِنّى عُذْتُ بِرَبّى وَرَبّكُمْ مّن كُلّ مُتَكَبّرٍ لاَّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحساب } [ غافر: 27 ] فتح نافع وأبو عمرو الياء من { أَمْرِى } والباقون بالإسكان .
ثم قال: { إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد } أي عالم بأحوالهم وبمقادير حاجاتهم ، وتمسك أصحابنا بقوله تعالى: { وَأُفَوّضُ أَمْرِى إِلَى الله } على أن الكل من الله ، وقالوا إن المعتزلة الذين قالوا إن الخير والشر يحصل بقدرتهم قد فوضوا أمر أنفسهم إليهم وما فوضوها إلى الله ، والمعتزلة تمسكوا بهذه الآية فقالوا إن قوله { أفوض } اعتراف بكونه فاعلًا مستقلًا بالفعل ، والمباحث المذكورة في قوله أعوذ بالله عائدة بتمامها في هذا الموضع . وههنا آخر كلام مؤمن آل فرعون ، والله الهادي .