فهرس الكتاب

الصفحة 1695 من 8321

الصفة الثانية: ليحيى عليه السلام قوله { وَسَيّدًا } والمفسرون ذكروا فيه وجوهًا الأول: قال ابن عباس: السيد الحليم ، وقال الجبائي: إنه كان سيدًا للمؤمنين ، رئيسًا لهم في الدين ، أعني في العلم والحلم والعبادة والورع ، وقال مجاهد: الكريم على الله ، وقال ابن المسيب: الفقيه العالم ، وقال عكرمة الذي لا يغلبه الغضب ، قال القاضي: السيد هو المتقدم المرجوع إليه ، فلما كان سيدًا في الدين كان مرجوعًا إليه في الدين وقدوة في الدين ، فيدخل فيه جميع الصفات المذكورة من العلم والحلم والكرم والعفة والزهد والورع .

الصفة الثالثة: قوله { وَحَصُورًا } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: في تفسير الحصور والحصر في اللغة الحبس ، يقال حصره يحصره حصرًا وحصر الرجل: أي اعتقل بطنه ، والحصور الذي يكتم السر ويحبسه ، والحصور الضيق البخيل ، وأما المفسرون: فلهم قولان أحدهما: أنه كان عاجزًا عن إتيان النساء ، ثم منهم من قال كان ذلك لصغر الآلة ، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال ، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة ، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول ، كأنه قال محصور عنهن ، أي محبوس ، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب ، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز ، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثوابًا ولا تعظيمًا .

والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد ، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها كالأكول الذي يكثر منه الأكل وكذا الشروب ، والظلوم ، والغشوم ، والمنع إنما يحصل أن لو كان المقتضي قائمًا ، فلولا أن القدرة والداعية كانتا موجودتين ، وإلا لما كان حاصرًا لنفسه فضلًا عن أن يكون حصورًا ، لأن الحاجة إلى تكثير الحصر والدفع إنما تحصل عند قوة الرغبة والداعية والقدرة ، وعلى هذا الحصور بمعنى الحاصر فعول بمعنى فاعل .

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ترك النكاح أفضل وذلك لأنه تعالى مدحه بترك النكاح ، وذلك يدل على أن ترك النكاح أفضل في تلك الشريعة ، وإذا ثبت أن الترك في تلك الشريعة أفضل ، وجب أن يكون الأمر كذلك في هذه الشريعة بالنص والمعقول ، أما النص فقوله تعالى: { أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام: 90 ] وأما المعقول فهو أن الأصل في الثابت بقاؤه على ما كان والنسخ على خلاف الأصل .

الصفة الرابعة: قوله { وَنَبِيّا } واعلم أن السيادة إشارة إلى أمرين أحدهما: قدرته على ضبط مصالح الخلق فيما يرجع إلى تعليم الدين والثاني: ضبط مصالحهم فيما يرجع إلى التأديب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأما الحصور فهو إشارة إلى الزهد التام فلما اجتمعا حصلت النبوة بعد ذلك ، لأنه ليس بعدهما إلا النبوة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت