ولما بيّن أنه أمر بعبادة الله تعالى فقال: { وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبّ العالمين } وإنما ذكر هذه الأحكام في حق نفسه لأنهم كانوا يعتقدون فيه أنه في غاية العقل وكمال الجوهر ، ومن المعلوم بالضرورة أن كل أحد فإنه لا يريد لنفسه إلا الأفضل الأكمل ، فإذا ذكر أن مصلحته لا تتم إلا بالإعراض عن غير الله والإقبال بالكلية على طاعة الله ظهر به أن هذا الطريق أكمل من كل ما سواه ، ثم قال: { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ } .
واعلم أنا قد ذكرنا أن الدلائل على قسمين دلائل الآفاق والأنفس ، أما دلائل الآفاق فكثيرة والمذكور منها في هذه الآية أربعة: الليل والنهار والأرض والسماء ، وأما دلائل الأنفس فقد ذكرنا أنها على قسمين أحدها: الأحوال الحاضرة حال كمال الصحة وهي أقسام كثيرة ، والمذكور ههنا منها ثلاثة أنواع: الصورة وحسن الصورة ورزق الطيبات .
وأما القسم الثاني: وهو كيفية تكون هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنينًا إلى آخر الشيخوخة والموت فهو المذكور في هذه الآية فقال: { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } فقيل المراد آدم ، وعندي لا حاجة إليه لأن كل إنسان فهو مخلوق من المني ومن دم الطمث ، والمني مخلوق من الدم فالإنسان مخلوق من الدم والدم إنما يتولد من الأغذية والأغذية إما حيوانية وإما نباتية ، والحال في تكون ذلك الحيوان كالحال في تكون الإنسان ، فالأغذية بأسرها منتهية إلى النباتية والنبات إنما يكون من التراب والماء ، فثبت أن كل إنسان فهو متكون من التراب ، ثم إن ذلك التراب يصير نطفة ثم علقة بعد كونه علقة مراتب كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الأم ، فالله تعالى ترك ذكرها ههنا لأجل أنه تعالى ذكرها في سائر الآيات .
واعلم أنه تعالى رتب عمر الإنسان على ثلاث مراتب أولها: كونه طفلًا ، وثانيها: أن يبلغ أشده ، وثالثها: الشيخوخة وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل ، وذلك لأن الإنسان في أول عمره يكون في التزايد والنشوء والنماء وهو المسمى بالطفولية والمرتبة الثانية: أن يبلغ إلى كمال النشوء وإلى أشد السن من غير أن يكون قد حصل فيه نوع من أنواع الضعف ، وهذه المرتبة هي المراد من قوله { لتبلغوا أشدكم } والمرتبة الثالثة: أن يتراجع ويظهر فيه أثر من آثار الضعف والنقص ، وهذه المرتبة هي المراد من قوله { ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخًا } وإذا عرفت هذا التقسيم عرفت أن مراتب العمر بحسب هذا التقسيم لا تزيد على هذه الثلاثة ، قال صاحب «الكشاف» قوله { لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } متعلق بفعل محذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا .
ثم قال: { وَمِنكُمْ مَّن يتوفى مِن قَبْلُ } أي من قبل الشيخوخة أو من قبل هذه الأحوال إذا خرج سقطًا .
ثم قال: { وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلًا مُّسَمًّى } ومعناه يفعل ذلك لتبلغوا أجلًا مسمى وهو وقت الموت وقيل يوم القيامة .
ثم قال: { وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } ما في هذه الأحوال العجيبة من أنواع العبر وأقسام الدلائل .