{ سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } [ الإسراء: 1 ] وثالثها: قوله { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم } فأزال عنهم الخوف في يوم القيامة بالكلية ، وهذا من أعظم النعم ورابعها: قوله { وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } فنفى عنهم الحزن بسبب فوت الدنيا الماضية .
ثم قال تعالى: { الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } قيل { الذين آمَنُواْ } مبتدأ ، وخبره مضمر ، والتقدير يقال لهم: أدخلوا الجنة ، ويحتمل أن يكون المعنى أعني الذين آمنوا ، قال مقاتل: إذا وقع الخوف يوم القيامة ، نادى منادٍ { ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم } فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم ، فيقال { الذين ءَامَنُواْ بئاياتنا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ } فتنكس أهل الأديان الباطلة رؤوسهم الحكم الثالث: من وقائع القيامة ، أنه تعالى إذا أمن المؤمنين من الخوف والحزن ، وجب أن يمر حسابهم على أسهل الوجوه وعلى أحسنها ، ثم يقال لهم { ادخلوا الجنة أَنتُمْ وأزواجكم تُحْبَرُونَ } والحبرة المبالغة في الإكرام فيما وصف بالجميل ، يعني يكرمون إكرامًا على سبيل المبالغة ، وهذا مما سبق تفسيره في سورة الروم .
ثم قال: { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ وأكواب } قال الفراء: الكوب المستدير الرأس الذي لا أذن له ، فقوله { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بصحاف مِّن ذَهَبٍ } إشارة إلى المطعوم ، وقوله { وَأَكْوابٍ } إشارة إلى المشروب ، ثم إنه تعالى ترك التفصيل وذكر بيانًا كليًا ، فقال: { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين وَأَنتُمْ فِيهَا خالدون } .
ثم قال: { وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } وقد ذكرنا في وراثة الجنة وجهين في قوله { أولئك هُمُ الوارثون * الذين يَرِثُونَ الفردوس } [ المؤمنون: 10 ، 11 ] ولما ذكر الطعام والشراب فيما تقدم ، ذكر ههنا حال الفاكهة ، فقال: { لَكُمْ فِيهَا فاكهة مّنْهَا تَأْكُلُونَ } .
واعلم أنه تعالى بعث محمدًا A إلى العرب أولًا ، ثم إلى العالمين ثانيًا ، والعرب كانوا في ضيق شديد بسبب المأكول والمشروب والفاكهة ، فلهذا السبب تفضل الله تعالى عليهم بهذه المعاني مرة بعد أخرى ، تكميلًا لرغبتهم وتقوية لدواعيهم .