فهرس الكتاب

الصفحة 6281 من 8321

واعلم أن الكلام في تفسير قوله { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } قريب من الكلام في قوله تعالى: { وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب } [ الأنعام: 59 ] وقد سبق الاستقصاء هناك ، قيل سأل عثمان رسول الله A عن تفسير قوله { لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض } فقال:"يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك ، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر ، سبحان الله وبحمده ، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير ، يحيي ويميت هو على كل شيء قدير"هكذا نقله صاحب «الكشاف» .

ثم قال تعالى: { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } وفيه مسألتان:

المسألة الأولى: صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر ، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافرًا فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة الله .

المسألة الثانية: أورد صاحب «الكشاف» سؤالًا ، وهو أنه بم اتصل قوله { والذين كَفَرُواْ } ؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى: { وَيُنَجّى الله الذين اتقوا } [ الزمر: 61 ] أي ينجي الله المتقين بمفازتهم { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها ، وأن له مقاليد السموات والأرض . وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول: أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني: أن قوله { وَيُنَجّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ } جملة فعلية ، وقوله { والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون } جملة اسمية ، وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز ، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف الله تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية ، وهو كونه خالقًا للأشياء كلها ، وكونه مالكًا لمقاليد السموات والأرض بأسرها ، قال بعده: والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون .

ثم قال تعالى: { قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام ، قال الواحدي وهو الأصل ، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية ، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة ، على حذف إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة .

المسألة الثانية: { أَفَغَيْرَ الله } منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض ، ومعناه: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك ، وأقول نظير هذه الآية ، قوله تعالى: { قُلْ أَغَيْرَ الله أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السموات والأرض } [ الأنعام: 14 ] وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل .

المسألة الثالثة: إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقًا للأشياء وبكونه مالكًا لمقاليد السموات والأرض ، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع ، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة ، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة ، فقد بلغ في الجهل مبلغًا لا مزيد عليه ، فلهذا السبب قال: { أَيُّهَا الجاهلون } ولا شك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت