الوجه الثاني: في بيان أن خيرات الآخرة أفضل من خيرات الدنيا ، وهو أن نقول: هب أن هذين النوعين تشاركا في الفضل والمنقبة ، إلا أن الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد القيامة معلوم قطعًا . وأما الوصول إلى الخيرات الموعودة في غد الدنيا فغير معلوم بل ولا مظنون ، فكم من سلطان قاهر في بكرة اليوم صار تحت التراب في آخر ذلك اليوم ، وكم من أمير كبير أصبح في الملك والإمارة ، ثم أمسى أسيرًا حقيرًا ، وهذا التفاوت أيضًا يوجب المباينة بين النوعين .
الوجه الثالث: هب أنه وجد الإنسان بعد هذا اليوم يومًا آخر في الدنيا ، إلا أنه لا يدري هل يمكنه الانتفاع بما جمعه من الأموال والطيبات واللذات أم لا؟ أما كل ما جمعه من موجبات السعادات ، فإنه يعلم قطعًا أنه ينتفع به في الدار الآخرة .
الوجه الرابع: هب أنه ينتفع بها إلا أن انتفاعه بخيرات الدنيا لا يكون خاليًا عن شوائب المكروهات ، وممازجة المحرمات المخوفات . ولذلك قيل: من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق . فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: « سرور يوم بتمامه » . الوجه الخامس: هب أنه ينتفع بتلك الأموال والطيبات في الغد ، إلا أن تلك المنافع منقرضة ذاهبة باطلة ، وكلما كانت تلك المنافع أقوى وألذ وأكمل وأفضل كانت الأحزان الحاصلة عند انقراضها وانقضائها أقوى وأكمل كما قال الشاعر المتنبي: