فهرس الكتاب

الصفحة 2767 من 8321

أشد الغم عندي في سرور ... تيقن عنه صاحبه انتقالا

فثبت بما ذكرنا أن سعادات الدنيا وخيراتها موصوفة بهذه العيوب العظيمة ، والنقصانات الكاملة وسعادات الآخرة مبرأة عنها ، فوجب القطع بأن الآخرة أكمل وأفضل وأبقى وأتقى وأحرى وأولى .

المسألة الثانية: قرأ ابن عامر { وَلَدَارُ الآخرة } بإضافة الدار إلى الآخرة ، والباقون { وَلَلدَّارُ الاخرة } على جعل الآخرة نعتًا للدار . أما وجه قراءة ابن عامر فهو أن الصفة في الحقيقة مغايرة للموصوف فصحت الإضافة من هذا الوجه ، ونظيره قولهم بارحة الأولى ، ويوم الخميس وحق اليقين ، وعند البصريين لا تجوز هذه الإضافة ، قالوا لأن الصفة نفس الموصوف ، وإضافة الشيء إلى نفسه ممتنعة .

واعلم أن هذا بناء على أن الصفة نفس الموصوف وهو مشكل لأنه يعقل تصور الموصوف منفكًا عن الصفة ، ولو كان الموصوف عين الصفة لكان ذلك محالًا ، ولقولهم وجه دقيق يمكن تقريره ، إلا أنه لا يليق بهذا المكان ، ثم إن البصريين ذكروا في تصحيح قراءة ابن عامر وجهًا آخر ، فقالوا لم يجعل الآخرة صفة للدار ، لكنه جعلها صفة للساعة ، فكأنه قال: ولدار الساعة الآخرة .

فإن قيل: فعلى هذا التقدير الذي ذكرتم تكون قد أقيمت الآخرة التي هي الصفة مقام الموصوف الذي هو الساعة وذلك قبيح . قلنا لا يقبح ذلك إذا كانت الصفة قد استعملت استعمال الأسماء ولفظ الآخرة قد استعمل الأسماء ، والدليل عليه: قوله { وَلَلأخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الاولى } [ الضحى: 4 ] وأما قراءة العامة فهي ظاهرة لأنها تقتضي جعل الآخرة صفة للدار وذلك هو الحقيقة ومتى أمكن إجراء الكلام على حقيقته فلا حاجة إلى العدول عنه والله أعلم .

المسألة الثالثة: اختلفوا في المراد بالدار الآخرة على وجوه . قال ابن عباس: هي الجنة ، وإنها خير لمن اتقى الكفر والمعاصي . وقال الحسن: المراد نفس الآخرة خير . وقال الأصم: التمسك بعمل الآخرة خير . وقال آخرون: نعيم الآخرة من نعيم الدنيا ، من حيث إنها باقية دائمة مصونة عن الشوائب آمنة من الانقضاء والانقراض .

ثم قال تعالى: { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } فبيّن أن هذه الخيرية إنما تحصل لمن كان من المتقين من المعاصي والكبائر . فأما الكافر والفاسق فلاا لأن الدنيا بالنسبة إليه خير من الآخرة على ما قال عليه السلام: « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » . ثم قال: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قرأ نافع وابن عامر { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } بالتاء ههنا وفي سورة الأعراف ويوسف ويس . وقرأ حفص عن عاصم في { يس } بالياء والباقي بالتاء . وقرأ عاصم في رواية يحيى في يوسف بالتاء والباقي بالياء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وعاصم في رواية الأعشى والبرجمي جميع ذلك بالياء . قال الواحدي: من قرأ بالياء معناه: أفلا يعقلون الذين يتقون أن الدار الآخرة خير لهم من هذه الدار؟ فيعملون لما ينالون به الدرجة الرفيعة والنعيم الدائم فلا يفترون في طلب ما يوصل إلى ذلك ، ومن قرأ بالتاء ، فالمعنى: قل لهم أفلا تعقلون أيها المخاطبون أن ذلك خير؟ والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت